إيطاليا المنتفع الأول من برنامج الإنقاذ الأوروبي: رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي يفرض وجوده السياسي على الجميع

رجع جيوزيبي كونتي رئيس الحكومة الإيطالية إلى روما ظافرا بفوز عريض بعد أن قرر المجلس الأوروبي الأخير منح إيطاليا

مبلغ 209 مليار يورو لمساعدتها على الخروج من الأزمة الخانقة بعد جائحة كورونا، أي بنسبة 28 % من مجموع الميزانية المقررة لدول الإتحاد. وصفق جل نواب البرلمان للنجاح الباهر الذي حققه كونتي بعد أربعة أيام من المفاوضات الصعبة خلال القمة ومن بينهم ماتيورنزي رئيس الحكومة السابق الذي كان متشائما دائما من مردود الحكومة الائتلافية الحالية.
وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان در لاين في حديث لجريدة «لا ستانبا» الإيطالية أن «الإتحاد الأوروبي متضامن مع إيطاليا. وجب الآن تحمل المسؤولية من أجل الإستثمار والإصلاح» مضيفة تجاه الطبقة السياسية الإيطالية المتهمة بإنفاقها غير العقلاني وعدم قدرتها على الخوض في إصلاحات ضرورية: «سوف نكون يقظين بحيث تستعمل الأموال المرصودة من أجل تحديث إقتصادنا». من ناحيته، أكد جيوزيبي كونتي لمساعديه في مجلس الوزراء أن «الرهان الحقيقي يطرح الآن ويتمثل في كتابة برنامج لإصلاح البلاد يكون ثوريا، مراقبا باستمرار، ويترجم في موارد ومهلة زمنية ومراحل تطبيق.»
وسوف تحصل إيطاليا على 81 مليار يورو من الدعم الأوروبي ويمكنها استعمال ما تبقى من المبلغ الجملي في صيغة قروض بضمان أوروبي مشترك حسب الاتفاق التاريخي الذي أجمعت عليه الدول الأعضاء. و من المفروض أن تقدم إيطاليا برنامجا مدققا لبروكسل في منتصف شهر أكتوبر القادم من أجل الدخول في مراحل تطبيقه على أن يحترم البعد الإصلاحي الضروري الذي التزم به رئيس الحكومة كونتيه أمام نظرائه.
البرنامج الإصلاحي
البرنامج الإصلاحي المعتمد يحتوي على ثلاثة محاور أساسية تتعلق بتقليص الهوة بين جهات الشمال والجنوب حيث تسجل معظم الإخلالات التي تعيق تطور الاقتصاد الإيطالي. ويشهد جنوب البلاد نسبا مرتفعة جدا في البطالة تفاقمت مع جائحة كورونا. ويتعلق المحور الثاني بالإصلاحات الهيكلية في ميادين البنية التحتية والبنوك التي لا زالت تشكو من الديون الهشةو كذلك الإستثمار من أجل التشغيل ودعم المؤسسات الاقتصادية و التكوين. البعد الثالث للبرنامج يتعلق بعقلنة النظام الاقتصادي أي بالحد من نسبة الاقتصاد غير النظامي والمهمش ومقاومة الفساد ومسالك المافيا.
يأتي هذا البرنامج الطموح في وضع اقتصادي نعته الخبراء بـ«الكارثي» وهو بتعلق بثالث إقتصاد أوروبي والثامن على المستوى العالمي. نسبة الدعم الأوروبي ترجمة لحجم التخوفات في صورة فشلت إيطاليا في عملية إصلاح اقتصادها لما لذلك من تاثير سلبي على أوروبا ككل و منطقة اليورو تحديدا. فمنذ أزمة 2008 المالية خسرت إيطاليا 7 % من ناتجها الداخلي بالرغم من قدراتها الصناعية المتقدمة ووضعها المتقدم في ميدان الزراعة والخدمات والسياحة وهي ثالث بلد سياحي في أوروبا وخامس بلد على المستوى العالمي.
إدارة مشاريع الإستثمار
بعد تشاور مع مختلف المجموعات التي تشكل الائتلاف الحكومي قرر جيوزيبي كونتي، الذي خرج «منتصرا» من القمة الأوروبية أين برهن على قدرات سياسية اعترف بها الجميع في إيطاليا، إسناد إدارة مشاريع البرنامج الإصلاحي إلى الهيئة الوزارية المشتركة للعلاقات الأوروبية التابعة لوزارة الخارجية والتي يرأسها شخصيا. بهذا الاختيار يتمكن من سحب البساط من تحت أرجل شركائه في الحكم الذين انطلقوا في التعبير عن رغباتهم وإشعال فتيل الاختلافات القاتلة حول مجال وعمق الإصلاحات.
الهيئة السياسية التي سوف تدير الإصلاحات تتكون من الزعماء الحكوميين من الإئتلاف الحكومي والوزراء المعنيين وهي مفتوحة لمشاركة ممثلين عن مجالس الجهات والبلديات والبرلمان ومجلس الشيوخ وإدارة الدولة أي جل الجهات الرسمية في روما وفي كل جهات البلاد التي سوف تسهر على بلورة برنامج شامل و طموح ومدقق من قبل الجميع وفي خدمة المجموعة الوطنية ككل. وهي الطريقة التي اختارها كونتي الذي لا ينتمي إلى أي حزب بل ومع تفاقم الأزمات، أظهر من الحنكة والقدرة على إدارة دواليب الدولة والتي مكنت إيطاليا من تخطي أزمة كورونا بأقل التكاليف بعد أن كاد أن يستفحل فيها الفيروس. لكن فرض برنامج إصلاحي ثوري كما يريده رئيس الحكومة يتطلب حنكة سياسية وقدرة على المناورة والحوار سوف تكون ديدنه في الأسابيع القادمة إذا ما أراد النجاح في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا