الانتخابات البلدية الفرنسية: موجة خضراء، وجوه نسائية في الطليعة وديناميكية لفائدة اليسار

أفرز الدور الثاني للانتخابات البلدية الفرنسية نتائج غير منتظرة، اعتبرها البعض تاريخية، تمثلت في صعود حزب الخضر لأول مرة

في تاريخه إلى رئاسة 15 من المدن الكبرى ومشاركته في إدارة كافة البلديات التي فاز بها الحزب الاشتراكي. وعزز هذا الأخير تقدمه في عدد كبير من المدن على غرار نجاح مارتين أوبري في ليل على حساب الخضر واختارت هيدالغو في باريس التحالف معهم لضمان ولاية ثانية سوف تكون حاسمة في الانتخابات الرئاسية لعام 2022. الوزير الأول إدوار فيليب، الذي يعتبر دستوريا «زعيم الأغلبية» لا ينتمي لحزب الرئيس وقد اختار الترشح لعمادة مدينة لوهافر التي حقق فيها فوزا باهرا معززا صورته بالرغم من الحديث عن التخلي عن خدماته في الحكومة القادمة.

وشكل الدور الثاني للانتخابات هزيمة واسعة لحزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي أسسه الرئيس ماكرون منذ أربع سنوات. ولم يقدر على تحقيق تقدم حقيقي في فرض وجوده على الساحة المحلية بالرغم من عشرات المدن الصغيرة التي تمكن من الفوز برئاسة بلدياتها. وقد كانت نسبة العزوف عن التصويت تاريخيه حيث وصلت إلى 60 % كذلك إدارة جائحة كورونا في هذا الوضع. في المقابل الحزب الأيكولوجي استفاد من تحول الرأي العام بصورة لعبة الدومينو التي سجلت انتصارات متتالية عدة مدن كبرى .
وقد تمحورت القضايا الأساسية حول الدفاع عن المناخ و الاهتمام بالحياة اليومية و بطريقة العيش التي فرضتها جائحة كورونا.

ربيع نسائي في الانتخابات
مشاركة الشباب والنساء كانت أهم المؤشرات التي ساهمت في بروز وجوه نسائية على قائمات الانتخابات في المدن الكبرى الفرنسية. ولآول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة تتصدر قائمة عمد 5 مدن كبرى على العشرة الأوائل شخصيات نسائية في العاصمة باريس (آن هيدالغو) ومدن مرسيليا ( ميشالروبيرولا)وسترازبورغ (جان بارسيغيان) ونانت (جوهانا رولان) وليل (مارتين أوبري). وقد فرضت المرأة نفسها في مدن أخرى صغيرة ومتوسطة حيث تمكنت وجوه نسائية شابة من دخول المعركة الانتخابية بنجاح مثل ممثلة الخضر ليونورمونكوندوي (30سنة) التي فازت بمدينة بواتييه على حساب الحزب الاشتراكي. وسوف يكون للمستشارات البلديات دور فعال في المجالس البلدية الجديدة مما يبشر بتغيير في العقليات و أساليب العمل. و في انتظار نشر النتائج المدققة سوف نعرف إن كانت نسبة تمثيلية النساء في ارتفاع مقارنة ب 16% المسجلة في انتخابات عام 2014.

قوة سياسية من الطراز الأول
يبقى الحدث الأهم انتصار الخضر في 15 مدينة كبرى منها مرسيليا ثاني المدن الكبرى ومدن ليون وسترازيورغ و غرونوبل وبواتييه ونجاحهم في القضاء على 70 عاما من الحكم اليميني في مدينة بوردو ومساهمتهم في فوز آن هيدالغو بالعاصمة باريس للمرة الثانية. محطات سياسية غيرت من موازين القوى وجعلت حزب «أوروبا الإيكولوجيا والخضر» لأول مرة قوة سياسية من الطراز الأول يتصدر السياسات المقبلة على الصعيد المحلي بمشروع «تغيير إيكولوجي» سوف يؤثر على الخيارات السياسية الإستراتيجية على الصعيد الوطني خاصة وأن الرئيس ماكرون الذي التزم بتشكيل «مؤتمر المواطنة حول المناخ» تلقى توصياته يوم الإثنين في إطار إمكانية تنظيم استفتاء حول سياسات التغيير الإيكولوجي.
حزب الخضر بالرغم من صغر حجمه و قلة موارده المالية تمكن من الفوز بعدة مدن كبرى ليصبح المعارض الأول لسياسات الرئيس ماكرون. لكن هذا النجاح لا يخفي أن الفوز تحقق في جل الحالات بسبب التحالفات في الدور الثاني مع الاشتراكيين والشيوعيين وأن استفاقة الحزب الإشتراكي الفرنسي بعد هزيمته النكراء عام 2017 و محافظته على جل مواقعه الانتخابية يفتح بابا جديدا أمام مستقبل المشهد السياسي. وهو ما عبر عنه زعيم الخضر يانيك جادو عندما صرح للصحافة أن الحدث «يشكل تحولا سياسيا للبلاد. المشهد تعاد صياغته حول الأيكولوجيا ومشروع ثري. وهو رد على عدم قدرة و انعدام خيارات الحكومة في المسائل الإيكولوجية و الاجتماعية ورد على الأسلوب العمودي للسلطة».

إستراتيجية الوحدة
يطرح حزب الخضر نفسه بديلا سياسيا للحزب الاشتراكي المهيمن على اليسار منذ 1981. خيار عدم التقدم للانتخابات بمفرده بل في تحالفات مع قوى اليسار حول مشروع سياسي «أخضر» فتح أمامه شارعا لإعادة نسج خارطة سياسية جديدة.في الانتخابات الأوروبية الأخيرةفرض حزب الخضر مكانه كقوة صاعدةوأصبح ثالث حزب على المستوى الوطني قبل الحزب الاشتراكي. وتمكن من النجاح في تحقيق نتائج انتخابية جيدة لكنه لا يتمتع بتمثيلية في البرلمان.
واقع الانتخابات اليوم أظهر أن القائمات الناجحة تنتمي إلى كتل سياسية يسارية اتفقت على تشكيل ائتلاف من نوع جديد. و لإن صرح زعيم الحزب الاشتراكي أوليفيه فور أن «كتلة اجتماعيه – إيكولوجية هي في طور التكوين» فإن استراتيجية الوحدة لا تنم بصلة لما عرف بمقولة «وحدة اليسار» الناجحة التي أسسها فرنسوا ميتران قبل عام 1981 بل هي وحدة سياسية حول مكونات وبرنامج الخضر. تحالف مع الحزب الاشتراكي و الحزب الشيوعي في 75 بلدية أسفر إلى نتائجإيجابية. مثال ذلك العاصمة باريس التي شهدت نجاح هيدالغوبمساندة الخضر. لكن في مدينة ليل الحزبان كانا في منافسة في الدور الثاني (40 % لكل جانب). وهو ما يطرح مستفبل العلاقات عبر مفاوضات صعبة سوف تحدد مستقبل المشهد السياسي, من الواضح الآن أن موازين القوى هو في صالح الخضر. لكن مثال مدينة ليل أين فازت مارتين أوبري دون دعم الخضر يبقى فرصى لصياغة مشرةع متكامل يضمن تدعيمالإستراتيجيةالخضراء و يحفظ ماء الوجه لمجموع «الفيلة» الاشتراكيين لخوض الانتخابات الجهوية عام 2021. في صورة نجاح الائتلاف و تحسين مردود البلديات تحت إدارة الخضر إمكانية التحالف للرئاسية تصبح ممكنة على أن يحل اشكال الزعامة للائتلاف الانتخابية الجديد .

أغلبية عددية يمينية
هذه الفرضية لا بد لها أن اقف على واقع حسابي هو أن أكثر من 50 % من البلديات تحت سيطرة اليمين. لكنها بلديات صغيرة ومتوسطة، أغلبها في المناطق الريفية التي عادة ما تكون محافظة. حزب الجمهوريين الذي دعم وجوده المحلي يفقد زعيما كرسماتيا يمكنه اختراق لعبة الرئاسية. وهو يبحث على رجل أو امرأة لقيادة المركب في الانتخابات الرئاسية القادمة. الوزير الأول الحالي إدوار فيليب له حضوظ في صورة ترك رئاسة الحكومة. وهذا يتعلق على فكرة رائجة في الأوساط الباريسية حيث يمكن أن يلعب الرئيس ماكرون لعبة شق صفوف اليمين بعزل فيليب من الحكومة . فيليب الذي فاز برئاسة مدينة لوهافر و الذي أظهر قدرته على الدخول في جلباب الرئاسة يصبح شخصية وطنية قادرة على تجسيم طموحات جزء من اليمين وهو ما يكون عقبة أمام الزعماء الحاليين للحزب يمكن تفضي إلى انشقاق حزب الجمهوريين في انتخابات 2022. وهو سيناريو لا يخفى عن قصر الإيليزي الذي يعمل على ترتيب البيت الماكروني من الداخل.
في الصف اليميني المتطرف ، لم يتمكن التجمع الوطني من استغلال جائحة كورونا و الأزمة الاقتصادية من أجل الفوز في الانتخابات بالرغم من عدد مسانديه في الانتخابات السابقة. لكنه فاز بمدينة باربينيان الجنوبية وهي مدينة تعد أكثر من 100 ألف ساكن. في المقابل خسر مدن أخرى و لم يحقق النجاحات التي تمكنه أن يصبح بديلا حقيقيا للرئيس ماركون. لكنه ،كالحزب الأول على المستوى الوطني، يبقى يشكل تهديدا حقيقيا لكل المرشحين من اليمين واليسار في الانتخابات القادمة.

ماكرون أمام الحل المستحيل
فشلت قيادة حزب الجمهورية إلى الأمام في توطينه على المستوى المحلي. وأظهر الحزب الذي لم يعقد بعد مؤتمره التأسيسي بعد أربعة أعوام من النشاط هشاشة في تنظيم الحملة الانتخابية واستيعاب الفئات العريضة من الناخبين. بل أظهر انشقاقات حادة في البرلمان بعد تشكيل كتل برلمانية منشقة جعلت حزب ماكرون يفقد أغلبيته المطلقة. وسجلت الساحة السياسية عددا من الفضائح التي هزت أركان الحزب. وهو الآن مجبر على إدارة الخروج من الأزمة الصحية و الاقتصادية الخانقة. رهانات لا يمكن له أن يفلت منها.
بالإضافة إلى ذلك تحديات توجد أخرى تواجه الرئيس ماكرون الذي يفكر في إعادة صياغة التركيبة الحكومية والمشروع الاقتصادي لخوض ما تبقى من ولايته الانتخابية. تحديات تفرض إلتزامات جديدة وتبعات سياسية تمر حتما بالتوصل إلى «توافق» يضمن له الإستمرار. لكن ذلك لن يكون ممكنا إذا ما قرر الخضر تدعيم وجودهم كقوة فارقة ضمن اليسار. سيناريو أن يقرر الرئيس ماكرون الاصطفاف مع الوسط الجمهوري و أن يستغل البرنامج الإيكولوجي لإفراغ مشروع الخضر في السنتين القادمتين والذي لازال يخالج أذهان النافذين في قصر الإيليزي في صورة فشلهم في تشكيل ائتلاف بين حزب ماكرون وحزب الخضر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا