تركيا والهيمنة الإقليمية على ليبيا

توفيق المديني
منذ أن وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق الليبية التي يرأسها فايز السراج ،

مذكرتي التفاهم ،البحرية – الأمنية والعسكرية، في نهاية شهر نوفمبر 2019، أصبحت تركيا اللاعب المحوري في الأزمة الليبية الراهنة إلى درجة أنَّ طيفًا من المتابعين بات يتحدث عن وصاية تركية على ليبيا.

وتشهد التطورات الأخيرة للملف الليبي بشقيه العسكري والسياسي الناتجة عن سيطرة قوات حكومة الوفاق على قاعدة الوطية الجوية، تأكيدًا على استراتيجية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتمثلة في تحقيق أطماعه وأحقية بلاده في غاز شرقي المتوسط وعدم التفريط في مصالح تركيا في ليبيا أكثر من ذلك، كما ذكر أردوغان بدعمه لحكومة الوفاق واستعداده لإرسال الأسلحة وحتى إرسال قوات عسكرية في حال طلبت طرابلس ذلك والتدخل عسكريا مباشرة في المعارك الجارية حول العاصمة طرابلس الغرب.

ومنذ عام 2014 ومع الانقسام السياسي الحاصل وإنشاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر لما يعرف بقوات الكرامة وبناء مؤسسة عسكرية منفصلة عن طرابلس،عملت تركيا وبعض الدول الخليجية على دعم جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الليبية المقاتلة الداعمة لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج وعملت على إغراق ليبيا بالأسلحة ومن بينها الأسلحة المتطورة. وتضاعف ذلك الدعم بعد إطلاق المشير حفتر لعملية طوفان الكرامة لتحرير طرابلس وغرب ليبيا من الميليشيات المسلحة وكشف أردوغان في آخر تصريح له عن عزمه إرسال دبابات وطائرات مسيرة لليبيا.

يرى الخبراء والمحللون العرب أنَّ نفوذ السلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان على ليبيا مكن أنقرة من التحدث باسم حكومة الوفاق مع القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والصين بهدف إيجاد تسوية شاملة في ليبيا تسوية تضمن مصالح تركيا سواء على الجغرافيا الليبية أو في شرقي المتوسط يؤكد المراقبون بأنَّ الاتحاد الأوروبي الرافض لمثل هذا المنحى للأزمة الليبية لن يمنع أنقرة من تنفيذ مخططها الرامي لاحتكار التحكم في ملف بهذه الأهمية من كل الجوانب بعد أنْ كادت تخرج من الملف السوري بيد فارغة و أخرى لا شيء فيها .

تأثير سقوط قاعدة الوطية الجوية على معسكر حفتر
يشكل سقوط قاعدة الوطية الجوية في ليبيا بأيدي قوات حكومة الوفاق بزعامة فايز السراج هزيمة عسكرية حقيقية لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وكأحد أبرز المتغيرات في المعركة ضد قواته.إذ أعلنت عملية «بركان الغضب» عن تنفيذ سلاح الجو لأربع ضربات جوية جديدة على طريق الرواغة الرابط بين الجفرة وسرت،استهدفت آليتين عسكريتين، وسيارة محمّلة بالذخائر، وسيارة وقود على طريق الرواغة.

وتقع قاعدة الوطية الجوية في قلب تحصينات طبيعية توفر لها حماية من أي هجمات من جهة الساحل، لكنها ترتبط بمسارب جبلية في مناطق الجبل الغربي،لا زالت على ولائها لحفتر، وهو ما جعلها تشكل تهديداً مستمراً لقوات حكومة «الوفاق» ومناطق سيطرتها الجديدة في غرب العاصمة.ومنذ سنوات حكم نظام معمر القذافي، شكلت القاعدة هاجساً لأمن الدول المجاورة لليبيا غرباً، بسبب موقعها القريب من الحدود التونسية،ومن مجالها الجوي الذي يغطي أيضاً مساحة من الجزائر، مما جعلها غير ذات فعالية طوال نظام القذافي، الذي اتخذها في بعض السنوات مقراً لسرب من طائرات «ميراج» قبل نقلها إلى قواعده الأخرى، وهو ما جعل القاعدة بعيدة عن تأثير الضربات المكثفة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال 2011.

وحسب المتوفر من المعلومات، فإِنَّ القاعدة التي بُنيت قبل استقلال ليبيا، وتحديداً عام 1942، في فترة الوصاية الدولية على ليبيا، يمكنها أن تستوعب 7 آلاف مقاتل، وتحوي ثلاثة مدارج لإقلاع الطائرات،وعدداً من الدشم،إضافة إلى ملجأ طائرات خرساني، وعدد من ورش الصيانة،وأماكن مبيت خاصة للعاملين والعسكريين.
وخلافاً لما بينته فيديوهات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي التي أظهرت سيطرة قوات «الوفاق» على كميات كبيرة من الذخيرة، إضافة إلى منصة منظومة دفاع جوي وسرب للمروحيات المقاتلة، برّر المتحدث الرسمي باسم قيادة قوات حفتر،أحمد المسماري، سقوط قاعدة الوطية بيد قوات حكومة «الوفاق» بأنه «انسحاب تكتيكي أعددنا له منذ أشهر، مراعاة لظروف المواطنين بمناسبة عيد الفطر»،بناءً على أوامر حفتر.

وعن أسباب أوامر حفتر بالانسحاب، قال المسماري إنها لـ«إعادة تمركز القوات وتوزيعها في مواقع ونقاط جديدة في محاور جنوب طرابلس»، وعلى الرغم من تأكيده مرات عدة خلال مؤتمره عدم «أهمية قاعدة الوطية عسكرياً واستراتيجياً»، إلا أنه عاد وقال إنَّ سلاح الجو التابع لحفتر استهدف القاعدة بغارات عدة،لمنع قوات الحكومة من الاستفادة منها، مشدداً على أنَّ «المعركة لم ولن تنتهي»، مطالباً أنصار حفتربـ«عدم تفسير ما تتخذه القيادة من تدابير على نحو خاطئ».

من وجهة نظر قوات حكومة الوفاق، كانت استراتيجية السيطرة على قاعدة الوطية الجوية تقوم على ثلاث مراحل، الأولى، بدأت بهجوم بري كاسح في بداية انطلاق عملية «عاصفة السلام» في نهاية مارس 2020 ،إذ تمكنت قوات حكومة الوفاق من ضرب قدرات القاعدة وإخراجها من الخدمة.أما المرحلة الثانية فكانت السيطرة على ثماني مناطق بالساحل الغربي، قبل الانتقال إلى المرحلة الأخيرة التي بدأت بتكثيف الضربات الجوية على القاعدة ومحيطها، وانتهت باقتحامها مساءالإثنين18ماي 2020،والسيطرة عليها نهائياً.

ولاشك أنَّ قوات حكومة الوفاق المستفيدة من التدخل العسكري التركي والدعم اللوجستي والضوء الأخضر الأمريكي وبالتالي حلف «الناتو»، تريد أن تستثمر السيطرة على قاعدة الوطية ليس فحسب عند حدِّ نتائجها العسكرية وتداعياتها على طموح حفتر العسكري، بل يبدو أنَّ حكومة «الوفاق» ساعية لاستثمارها سياسياً أيضاً، فقد ذكر وزير الخارجية بحكومة «الوفاق» محمد سيالة،أنَّ الحكومة ستعمل على توثيق الأسلحة التي عُثر عليها داخل القاعدة، قبل إحالتها على مجلس الأمن، وفق بيان للوزارة مساء يوم الاثنين الماضي.

وأعلن حفتر، في 27 من افريل 2020،عن توليه زمام قيادة البلاد بناء على ادعائه الحصول على «تفويض شعبي»،معلنًا أيضا عن إسقاط الاتفاق السياسي الموقّع في الصخيرات بالمغرب والذي تم توقيعه في 15 ديسمبر 2015،وما نتج عنه من هيئات سياسية، بما فيها مجلس النواب المنعقد في طبرق، الذي مثل الواجهة السياسية له لسنوات.
وقد كشفت مصادر برلمانية من طبرق، وشخصيات من الدائرة الأولى لحفتر، النقاب عن استعداده لإطلاق «إعلان دستوري مؤقت»، بناء على «تفويض الشعب الليبي للقيادة العامة للقوات المسلحة»،خلال الأسبوع الجاري،

ويحاول حفتر بذلك استقطاب بعض القبائل في الشرق الليبي التي لا تعيش في وفاق مع قبيلة العبيدات التي يعتمد عليها صالح في معارضته لحفتر ومن خلالها يسعى لحشد الدعم القبلي لمبادرته السياسية، تزامنا مع حملة تجريها قوات حفتر تحت مسميات عمليات أمنية في شرق ليبيا، جردت من خلالها عددا من المعسكرات التابعة لقبيلة العبيدات وحلفاءها من أسلحتها واعتقلت قادتها، آخرها معسكرا مرتوبة وأم الرزم.

موقف الناتو
بعد سقوط قاعدة الوطية بأيدي قوات حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، أكد محللون أتراك أنَّ قوة تركيا ساهمت في تغيير موقف الناتو في ليبيا لصالح حكومة الوفاق الوطني. فبعد أن تكبدت قوات اللواء المتفاعد خليفة حفتر خسائر فادحة، رغم الدعم الروسي والإماراتي الميداني لها، تغير موقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) تجاه طرفي الصراع، لا سيما في ضوء التدخل العسكري التركي المباشر في القتال إلى جانب قوات حكومة الوفاق. فقد صرح أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ، يوم الثلاثاء 19ماي 2020 :بأنه لا يمكن وضع حكومة السراج، المعترف بها دوليا، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، في كفة واحدة، وأبدى في الوقت عينه تأييده لتركيا، وأكد على ضرورة الامتثال لقرارات الأمم المتحدة.
وأشار ينس ستولتنبرغ إلى أنَّ الناتو يتفهم التزام تركيا التي تتطلع لدور نشط في ليبيا لمسألة أمنها القومي. وأكد أنه مع تزايد الدول الغربية المساندة لحفتر في الآونة الأخيرة، جاء إعلان الناتو عن استعداده لدعم حكومة الوفاق، كأحد ثمار قوة مواقف تركيا في ليبيا، على الرغم من الدعم الفرنسي واليوناني لحفتر.

ويعود التبدل في موقف الناتو إلى تغير الموقف الأمريكي من مجرى الصراع في ليبيا، فبعد أن كان الموقف الأمريكي غير مبال طيلة السنوات الماضية، قاد فشل اللواء خليفة حفتر في استغلال الدعم الفرنسي والروسي والإماراتي والمصري والسعودي، لدخول طرابلس، إلى إحداث تغير في الموقف الأمريكي. وكان لافتًا إلى أنَّه خلال لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، بواشنطن في نوفمبر 2019،طرح عليه أردوغان رؤيته حول الوضع والاستقرار في ليبيا، ووجد هذا الكلام استجابة لدى الأجهزة الأمنية الأمريكية، خصوصًا أنهم يعتبرون أردوغان حليفًا مهمًا.

ومع ازدياد التواجد الروسي في ليبيا، أصبحت الولايات المتحدة ترى أن حفتر، الذي جاء بالروس، يهدد مصالحها الاستراتيجية. فالولايات المتحدة وبريطانيا رحبتا باستقلال ليبيا في 1951،لأنه يقطع الطريق على تواجد عسكري سوفييتي فيها، فهذا تهديد لجنوب أوروبا، وبالأخص اليونان وإيطاليا وفرنسا، وهو أمر غير مقبول لدى الأمريكيين.
ويجمع الخبراء والمحللون المتابعون للوضع في ليبيا، بأن الأمريكيين أصبحوا يجدون في التدخل العسكري بليبيا تماهيًا مع رؤيتهم الاستراتيجية في المنطقة. وترجم هذا الموقف الأمريكي إلى تصريح للأمين العام لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، ينس ستولتنبرغ، الذي أعرب فيه عن استعداد الحلف لدعم الحكومة الليبية الشرعية.

فعندما اخترقت طائرتان فرنسيتان المجال الجوي الليبي فوق مدينتي مصراتة (200 كلم شرقي طرابلس) والزاوية (50 كلم غربي طرابلس)، أواخر افريل 2020،واستخدمتا إشارات وذبذبات الناتو دون تكليف من الحلف، أبلغت تركيا الأمين العام لحلف الناتو، فاهتمت الولايات المتحدة بالأمر، التي تعتبر «الناتو» مؤسسة أنشأتها ومولتها الولايات المتحدة، والمساهمة التركية في الحلف رئيسية، ولا يمكن أن يكون لدولة عضو، كاليونان مثلًا، الوزن والتأثير نفسه داخل الحلف. وكان وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، قال إنَّ «تركيا هي الحليف الأهم داخل الناتو».

ومن المعروف تاريخيا الموقف الأمريكي من مساعٍ فرنسية لإنشاء قوة أوروبية مستقلة عن «الناتو»، فالأمريكان هم من يحفظون أمن واستقرار أوروبا وفق قول وزير الدفاع الأمريكي,
لا سيما أنَّ «الناتو» من مهامه تطبيق استراتيجية محاصرة التوسع الروسي في ليبيا ، لذلك أبلغ أمين العام الحلف فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، بأنهم مستعدون لتطوير قواتهم العسكرية والشرطة».

لقد تحولت ليبيا الى ساحة حرب إقليمية لا تقف عند حدود البلاد، بل ستكون لها تداعيات عسكرية و سياسية وجيواستراتيجية خطيرة في كل منطقة الشمال الإفريقي، وشرق البحر الأبيض المتوسط ،بسبب تحول ليبيا على مدى السنوات الأخيرة الى مركز استقطاب للجماعات الإرهابية (21 تنظيما إرهابيا) وانتشار السلاح (42 مليون قطعة سلاح)،ووجود حوالي مليون مهاجر غير شرعي وغياب السيطرة على الحدود الجنوبية مع دول الساحل الإفريقي، والغربية مع تونس والجزائر، وهشاشة الوضع الأمني في أكثر من دولة مجاورة ، بالإضافة إلى الخلاف والانقسام بين دول الجوار من أزمة ليبيا وانقسام دول الاتحاد الأوروبي وثبوت التدخل الروسي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا