الدول الشرق أوسطية بين أزمة الشرعية وأزمتي كورونا والخنق الاقتصادي: توفيق المديني

تعيش الدول الشرق أوسطية منذ ما يزيد عن سبعة عقود تقلبات كثيرة في مسارها السياسي. وفيما تعرضت الدولة الوطنية

في منطقة الشرق الأوسط كما هو الحال في العراق للغزو الأمريكي منذ العام 2003، جاء دور إسقاط الدولة الوطنية السورية مع بداية ما يسمي بـ«الربيع العربي»، باعتبارها أصبحت -بدورها- عائقاً أمام حركة رؤوس الأموال، وبالتالي عائقًا أيضًا أمام عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق بالمعنى الرأسمالي الليبرالي .
وهاهي معظم الدول الشرق أوسطية قد أصابتها خلال الشهرين الأخيرين كارثتان، جائحة كورونا، والانهيار التاريخي لأسعار النفط، إذ تزامنت جائحة كورونا مع معضلة الاقتصاد في المنطقة بعد هبوط أسعار النفط إلى مستويات متدنية في الشهر الماضي، بسبب زيادة في الإنتاج اقترنت مع تراجع في الطلب على مستوى العالم بسبب الإغلاقات. فسعر برميل النفط الذي كان قبل عام 67 دولارا،تراجع الشهر الماضي على مستوى العالم، حتى وصل في أمريكا لأول مرة تحت الصفر. فكيف ستواجه الدول الشرق الأوسطية استراتيجية الخنق الاقتصادي الأمريكية، التي سيكون لها أثر كارثي على المنطقة، إضافة لأزمتي جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط ، اللتين تصيبان الدول المنتجة للنفط والتي بدورها كانت سبب مساعدات لبقية المنطقة.

الدولة الشرق أوسطية بين الإرهاب و أزمة الشرعية
في ظل زمن الحركات الارهابية المتطرفة ، تعيش الدولة الشرق أوسطية،لا سيما تلك التي وصلت فيها الحركة القومية العربية إلى السلطة ، تحت تأثير ظاهرة تفجر الدولة الشمولية ، والبنية القسرية وغير التوافقية، إذ تقوضت الدولة بعمق رأساً على عقب. ففي أثناء عدد من العقود رأت الحركات الجهادية المتشددة كثيراً في فرصها الإستراتيجية بالنسبة لعلاقة قوى غير مؤاتية دفعة واحدة يتسع إلى ما لا نهاية مجال الممكنات. فثمة تطلعات جديدة، كانت محبوسة أو غير معبّر عنها برزت، منفذة في تجسيد مشروعات سياسية « الدولة الإسلامية».

فالدول العربية الشرق أوسطية الجديدة وجدت نفسها إذن من جديد في مرمى تنازع مزدوج يُمارس من جهة باسم القوى الديمقراطية التي تطالب بإعادة بناء الدولة الوطنية، ومن جهة أخرى باسم «الدولة الإسلامية « أوسع. وبالتالي ثمة مشروعان يفضحان «الطابع الاصطناعي» واللاشرعية في الدولة الشرق أوسطية ، يمزقانها بين خطر التجزئة وخطر الاتحاد في كيانات أوسع.

الدولة الشرق أوسطية العربية التي تروج لها بعض التوصيفات أنها «الدولة القومية» أو «الدولة الوطنية الحديثة» هي حالة تعبر في الصورة العامة عن رهانات ورغبات أيديولوجية، أكثر مما تعبر عن حقائق واقع هذه الدولة القطرية ذاتها ،التي تبقى نشأتها التاريخية مختلفة جذرياً عن السياق التاريخي – السياسي الذي نشأت فيه الدولة القومية الغربية،أي الدولة-الأمة، ولأنها أيضا ظلت بعيدة كل البعد عن الفتح البورجوازي الحديث. بل لأنها تجهل كلياً هذا الفتح البورجوازي المسمى بالحداثة السياسية والثقافية، التي تقوم على ركيزتين اساسيتين هما: الديموقراطية السياسية الحديثة، والعلمانية والعقلانية.

فالمظهر الخارجي الحديث للدولة الشرق أوسطية العربية كان يخفي واقعاً داخلياً ذي بنية تقليدية ومتخلفة من حيث الجوهر، تهيمن فيها ايديولوجية تقليدية،لا زالت تعتبر الى السياسة شأنا من شؤون شخص الحاكم أو الزعيم أو القائد الملهم، الذي يستمد مبدأه وفعاليته من الواجهة المؤسسية لسلطة بيروقراطية الدولة، ونظام الحزب الواحد، وإيديولوجية بيروقراطية الدولة، التي تفهم وتمارس السياسة في بعدها التقني البراغماتي وترفض منطق الصراع الفكري، والجدل الثقافي والمعرفي، وتعمل على إخضاع تنظيمات المجتمع المدني لمنطق هيمنة أجهزة الدولة التسلطية.

ولا زال الفكر السياسي العربي بكل تلاوينه لا يميز بين الفكر القومي، والايديولوجية القومية ، والأحزاب والحركات القومية التي تتبنى إيديولوجية قومية، والتي وصلت إلى السلطة، ويحمل مسؤولية وأزمة الأوضاع الراهنة المزرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية في الوطن العربي إلى الفكر القومي العروبي الوحدوي، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن الهزيمة التي منيت بها الأمة العربية هي هزيمة الفكر القومي. يقينا أن هزيمة الأمة العربية اليوم هي هزيمة تشمل الأفراد والجماعات، والطبقات، والأحزاب السياسية على إختلاف مرجعياتها الايديولوجية، والحركة القومية العربية لأنها لم تكن ديموقراطية، حيث يمثل إخفاقها وعجزها عن تحقيق أطروحاتها في الوحدة والنهضة العربية – على رغم التأييد الأدبي والسياسي للجماهير الشعبية العربية لها – إخفاقاً تاريخياً عادلاً.

لكن الذي يتحمل وزر هذا الإخفاق التاريخي والهزيمة السياسية للأمة ليس الفكر القومي العروبي ولا المشروع القومي، وإنما الحركة القومية، التي يعتبر انهيارها وهزيمتها هزيمة المجتمع المدني وضموره، وتهميش الشعب، وإخراجه من السياسة .

انبثقت الدولة البيروقراطية التسلطية الحديثة، وامتلكت ناصية الاستبداد المحدث، من «مصادر الاستبداد التقليدي باحتكار الحكم مركز السلطة» من ناحية، ومن خلال «احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع» عبر اختراق المجتمع المدني على مختلف مستوياته ومؤسساته، و«بقرطة» الاقتصاد إما خلال توسعة القطاع العام، وإما بإحكام السيطرة عليه فالتشريع و

اللوائح (أي رأسمالية الدولة التابعة) وكون شرعية نظام الحكم تقوم على القهر من خلال ممارسة الدولة للعنف المنظم ضد المواطنين من ناحية اخرى.

وتكمن خصوصية التحديث في الدولة القطرية العربية في انفصاله الكلي عن المسألة الديموقراطية، والحداثة السياسية، سواء في مفهومها الليبرالي الغربي المتعلق بإحلال مفهوم المواطنة، والإعتراف بسلطة الفرد الحر المسؤول، و بناء المؤسسات السياسية والدستورية التمثيلية، وما تقتضيه من إحلال قيم المشاركة السياسية من جانب الشعب في الشأن العام، بما في ذلك حق الانتخاب وحق الرقابة على مؤسسات الدولة وعلى رجال الدولة باعتبارهم وكلاء المصلحة العامة، أم ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية وتوحيد التنمية وفق اختيارات اقتصادية اجتماعية تخدم مصالح الطبقات والفئات الشعبية.

لقد أسهم مخطط الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب ،والكيان الصهيوني، بشكل كبير في إطلاق عملية زعزعة الاستقرار، وتدمير الدول الوطنية، من خلال توظيف الحركات الدينية الأصولية في المعركة الأولى ضدّ الأنظمة الشيوعية والاشتراكية في الكتلة الشرقية والعالم الثالث على حدٍّ سواء. ثم من خلال المراهنة في المعركة الثانية ضدّ الدولة الوطنية في سائر الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا على تيارات الإسلام السياسي و الحركات الجهادية التي ترفع شعار العودة إلى الدين وتعتمده أداة من أدوات المعركة، لكنّه شعار مخادع، كبديل للدولة الوطنية السورية، بعد القبول بمنطق تقسيمها، و إنتاج خريطة «وستفالية»جديدة للدولة في سوريا على أسس مذهبية وعرقية، والعودة الحقيقية إلى البنى التقليدية التي كانت تستند في جزءٍ كبيرٍ منها إلى الشرعية الدينية، وقد انهارت من دون رجعة.

الشرق الأوسط وكورونا
إنَّ منطقة الشرق الأوسط لن تتغير كثيرا بعد انجلاء هذه الجائحة كورونا المستجدة، لأنَّ التاريخ يتغيّر من داخله لا من خارجه، لكنَّ عودة شعوب الشرق الأوسط إلى الانعتاق في مشروع قومي ديمقراطي تحرري متصادم جذريًا مع المشروع الإمبريالي الأمريكي ، والمشروع الصهيوني، ومواجهة الرجعية العربية المتمثلة بالأنظمة التسلطية، سيعبد عودتها إلى محور التاريخ ،لاعتبار أنّ الشعوب صانعة مَساراتها، بالسلب أم بالإيجاب، ضمن تحوّلٍ عن طريق الإصلاحات الديمقراطية وفق تسويات سياسية محددة، أو عن طريق ثورات جذرية، تسبقها ثورات فكرية وثقافية وسياسية.

فلا يُمكن الحديث عن إعادة بناء الدول الوطنية في منطقة الشرق الأوسط، وكبْح جَماح الاستغلال أو الحدّ من التفاوُت الاجتماعي، بفعْل تَوبةٍ مُباغِتةٍ للمُستغلِّين أو خشية جارِفة تُلِمّ بالمترَفين، فالقوى التسلطية في الداخل ، والقوى الإقليمية و الدولية لن تسمح للشعوب العربية بالتحرر. فقد
لعبت الدول الإقليمية و الدولية في منطقة الشرق الأوسط، أدواراً، بعضها معلن، والآخر خفي، ساعدت على زيادة التحديات أمام قوى إعادة البناء الدول الوطنية في الإقليم.

يستلزم نجاح محاولات إعادة البناء للدولة الوطنية في الشرق الأوسط مجموعة شروط على المستوى الداخلي، هي : حدوث توافق بين القوى الداخلية حول مبدأ إعادة البناء ذاته، وكذلك متطلباته، وكيفية تحقيقه، والاستعداد لتحمل تكلفته، ولن يتأتى ذلك إلا بعد إنهاء الصراع الداخلي على المستويين الفعلي والنفسي، أو الإجماع على ضرورة إنهائه، على أقل تقدير، ومدى استقلال القوى الداخلية في مواجهة القوى الإقليمية والدولية. فكلما زادت درجة الاستقلال، استطاعت القوى الداخلية أن توجه عملية البناء لمصلحتها والعكس صحيح. وكشفت تجارب إعادة بناء الدولة في العراق وأفغانستان عن أن التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط هي العامل الأخطر في تحديد فرص نجاح إعادة البناء او فشله.

يظل الانتصار على الإرهاب في بعده الاستراتيجي مرهونًا بإعادة بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية في إقليم الشرق الأوسط على أسس جديدة ،على أن تستثمر هذا الدولة الوطنية في العروبة بوصفها الخيار الأيديولوجي والمشروع الثقافي للأمة العربية في القرن الحادي والعشرين، والهوية الثقافية المميزة للعرب عن غيرهم من الأمم والشعوب، والهوية السياسية المؤسسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي،عبر تبني المفاهيم القائمة على التعددية الفكرية والسياسية ، وفكرة المواطنة، وبناء دولة القانون،أي دولة المؤسسات الدستورية وإعادة تثمين الوطنية المحلية الدستورية ، والتأكيد على مرجعية احترام حقوق الإنسان،والحريات الشخصية والاعتقادية، والديمقراطية.

فالمشروع العربي الديمقراطي، هو الخيار العروبي الوحيد للدول العربية في إقليم الشرق الأوسط ، الذي من خلاله يمكن للشعوب العربية ،وسواهم ،أن يبنوا مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي، وأن يؤسسوا عبره وحدتهم الوطنية والقومية الحقيقية، بعيداً عن الانقسامات المذهبية والطائفية: سواء تمثلت في صعود الانقسامات المذهبية داخل الدين الواحد أو تنامي العصبيات الجماعية على أساس ديني بين أصحاب العقائد المختلفة. فالطائفية تعبر عن إخفاق السياسة القومية في بناء إطار تضامنات فعلية وطنية ما فوق طائفية.

توفيق المديني

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا