هل يخسر حزب الرئيس ماكرون أغلبيته في البرلمان؟ كتلة برلمانية جديدة إيكولوجية واجتماعية تهدد الأغلبية الحاكمة

أوردت جريدة «ليزيكو» الباريسية خبرا أكدته صحيفة «لوموند» أن كتلة برلمانية جديدة سوف ترى النور قريبا تتكون من 58 نائبا في البرلمان الفرنسي

من مختلف الحساسيات السياسية أطلقت على نفسها اسم كتلة «إيكولوجيا، ديمقراطية و تضامن». وهي تجمع نوابا من الإتجاه الإيكولوجي القريب من نيكولا هيلو و أخرون من الحزب الإشتراكي و مستقلين و مجموعة قدرت بعشرين نائبا من الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام».
وصرح مسؤولون في الكتلة الجديدة أنها ليست في الأغلبية و ليست كذلك في المعارضة. و أظهرت قائمة الأسماء الأولية أن بعض الوجوه كانت لها خلافات حادة مع الحكومة أدت إلى إقصائها من الحزب الحاكم . وإن تحقق ذلك، سوف تفقد الحكومة الأغلبية المطلقة التي تتمتع بها. وعلق مصدر حكومي على الحدث قائلا :«هذا ليس خبرا سارا، لكن منذ مدة كانت لبعض أعضاء هذه المجموعة مواقف غير متناسبة مع الموقف الحكومي». وأضاف: «السؤال الوحيد هو هل لنا الأغلبية لمواصلة عملنا؟ الجواب نعم لآن حزب «المودام» كان دائما مساندا للوزير الأول».
إنشقاقات متعددة
منذ اندلاع أزمة الكورونا طفحت إلى السطح في صفوف الأغلبية الحاكمة عديد المشاكل المتعلقة بإدارة الجائحة الصحية. وعبّر برلمانيون عن انشغالهم من مسألة عدم تمكين المواطنين من الكمامات الصحية. واعتبر بعضهم أن إدارة الأزمة تصير بطريقة غير ديمقراطية بل أن البرلمانيين التابعين للأغلبية لم يتم تشريكهم بصورة فعالة في تخطيط السياسات المتبعة. و شعر البعض الآخر أن اتخاذ القرار أصبح عموديا و ذلك خلافا لمنطق تكوين حزب «إلى الأمام» الذي حصل على الأغلبية في البرلمان و مكن الرئيس ماكرون من دخول قصر الإيليزي.
هذا الشعور المتفشي داخل الأغلبية الحاكمة تنامى مع أزمة «السترات الصفراء» التي شغلت البلاد أكثر من سنة. وتفاقم الأمر مع سياسة التعيينات في القائمات البلدية الأخيرة التي لم تضف إلى نجاح الحزب فيها. و كانت أخر ملابسات هذه الأزمة الدفينة انشقاق النائب سيدريك فيلاني، العالم في الرياضيات الشهير الذي تقدم لرئاسة بلدية باريس ولم يحظ بثقة الحزب و الرئيس ماكرون. وعند تمسكه بترشحه قررت القيادة عزله من الحزب. وهو ما أكد الشرخ داخله و فتح الباب أمام انشقاقات أخرى أدت جميعها إلى تشكيل كتلة برلمانية جديدة يكون فيها المنشقون عن حزب ماكرون أهم مجموعة سياسية.
تداعيات مختلفة
الانتقاد الأساسي المعلن لسياسات الحزب هو أن التوجه اليميني للحكومة التي يرأسها إدوار فيليب والذي لا يتماشى ومكونات حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي تكون على أساس رفض السياسات من اليمين واليسار بل العمل مع كل الحساسيات الاجتماعية و الفكرية حول مشروع تغيير النظام الديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي. وهو نفس الشيء الذي عبر عنه الرئيس ماكرون مع حلول أزمة «كوفيد 19» . لكن تمحور السلطة الحكومية حول نواة من اليمين تمسك بزمام الأمور في الحكومة و في وزارات الاقتصاد والمالية حال دون مشاركة باقي الحساسيات في إدارة الشأن العام. وهو ما فتح الباب أمام سيناريوهات ممكنة.
أول سيناريو هو أن يدعم الرئيس ماكرون موقفه بتشديد التوجه اليميني بتعميق التحالف مع حزب «المودام» الذي يرأسه فرنسوا بايرو. وهو توجه يمكن أن يجمع بين الوسطية و البعد الاجتماعي. لكن ذلك سوف يقصي النواب الذين ينتمون إلى اليسار فكريا و يعطي المنتقدين وقودا حساسا في معركتهم. السيناريو الثاني هو أن يقدم الرئيس ماكرون على استقطاب الخضر و الإيكولوجيين بإعادة صياغة سياسته مع الخروج من جائحة كورونا. و كانت تسريبات من القصر الرئاسي نبهت إلى نية الرئيس ماكرون العمل على إرساء «اتفاق أخضر» لدعم التحول الإيكولوجي الذي أصبح ضروريا علما و أن السياسات الإيكولوجية في صعود مستمر في فرنسا و أوروبا و أن حزب الإيكولوجيين نجح في الانتخابات الأوروبية و البلدية بالحصول عل نتائج مشجعة.
رهانات ما بعد كورونا
اندلاع أزمة في صلب الحزب الحاكم مع الخروج التدريجي من حالة الحجر الصحي يمكن أن تعصف بنية الرئيس ماكرون إعادة صياغة توجهاته السياسية لإعطاء نفس جديد لمشروعه الرئاسي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2022. يجمع المختصون في الشأن الإقتصادي على أن فرنسا و باقي الدول الأوروبية مقدمة على أحلك أزمة اقتصادية عرفتها منذ الحرب العالمية الثانية. أهم مؤشر في هذا الإطار عدد العاطلين على العمل الذي وصل إلى 12 مليون. وهو رقم قياسي يجعل نسبة البطالة تتراوح بين 14 و 15 % مثل الأرقام المعتادة في البلدان النامية. زد على ذلك مئات الآلاف من الشركات الصغرى والمتوسطة المهددة بالإفلاس والتي تحتاج إلى إجراءات استعجاليه للحفاظ على النسيج الاقتصادي الفرنسي.
وتجد الحكومة نفسها ، في ظل الأزمة مع النواب، أمام رهانات سياسية واقتصادية لا تسمح بالضرورة بإعادة التفاوض معهم. بل إن الانشقاق داخل الأغلبية سوف يحسم حسب كل التوقعات في قصر الإليزي على أساس ما سوف يقرره الرئيس ماكرون في خصوص محتوى سياساته الاقتصادية لحملة الولاية الثانية. في انتظار ذلك، من الممكن أن يحصل ماكرون على دعم فرنسوا بايرو على أن يدخل بعض التغييرات على التشكيلة الحكومية الحالية التي أصبح من الضروري تغييرها لإدخال وجوه جديدة وتحويل الجدل القائم حول فشل الحكومة في إدارة جائحة كورونا إلى نقاش حول مستقبل أولويات البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا