على هامش إدارة الأزمة هل يعيد كورونا ترتيب أولويات تفكيرنا ؟

د. هاني مبارك
أستاذ الاعلام والكاتب الفلسطيني
يقال ان من الآثار السلوكية على أفراد مجتمعات النمط الاقتصادي الاستهلاكي، هو الجنوح الجماعي لأبناء الطبقتين

المتوسطة والدنيا للهروب افتراضيا من واقعهم نحو مواقع جديدة في الطبقات الاجتماعية التي تعلوهم في سلم التراتب الطبقي.
والحقيقة أن شيخ علماء الاجتماع العلامة عبد الرحمن ابن خلدون كان من أول من أشار إلى ذلك حين قال في أن المغلوب مولع أبدا بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر عوائده.
والأشكال هنا لا يتوقف عند حدود محاولات التشبه بالأعلى ولا في ان تلك المحاولات لا تغير من الواقع المادي للشخص أو المجموعات أو الطبقات شيئا، بل بما يخلفه حاصل الفرق بين الواقع والخيال من احباطات نفسية دفينة تزيد من منسوب اخطاء تدفع إلى تصعيد في حدة الانتقادات المقابلة والتي تعمل بدورها على تدوير الخطأ ثانية والدخول به في حلقة مفرغة لا متناهية زحفا نحو تشكيل الأزمة.

هذا طبعا يقع على هامش افتراض أن المُقلد يكون جادا في محاولة التقليد حيث احتمال محدودية المخاطر مقارنة بما قد يحدث من آثار سلبية من قبل ممن تقودهم الصدف للتموقع في مواقع ليسوا لها أو ليست لهم، وان الوصول الى ذلك الموقع هو الهدف الاخير بالنسبة لهم.

وفي هذا تشير معطيات واقع مجتمعات النمط الاستهلاكي ان من الآثار الناجمة عن سلوكيات هذا النوع من المهاجرين هي التوسع الكبير في الاستعارات والاسقاطات واحيانا السرقات والتكرارات وزيادة حدة التنافس بين هذه المجموعات المهاجرة إلى حدود سد آفاق التفكير في التغيير أو حتى الاصلاح مما يخلق وهما من تحقيق الانتقال الجماعي نحو جديد ما.
هذا الجديد سرعان ما تبدده الأزمات الهيكلية لطبيعة ذلك الانتقال وحقيقة الاحتياجات التي يتطلبها واقع الأزمة، والمؤسف في حالات من هذا القبيل أنه قد يستحيل العلاج اللازم في الوقت اللازم ويصار إلى اثمان تكون عالية التكاليف في أغلب الاحيان.

وقد تصبح الخسائر أكثر فداحة ان كان المجتمع إزاء نوعية من مهاجري واقعهم نحو واقع وهمي، وقادتهم الصدف لتقلد مواقع اتخاذ وصناعة القرار هم ممن يلبسهم وهم اجتراح الحقيقة النهائية حيث سيتحولون بين ليلة وضحاها إلى مشاريع بناء طغاة للمستقبل حين يعمدون إلى التحول لخدم اي سلطان يحمي انتقالهم الوهمي الذي يحتاج بطبيعته إلى نوعية مشابهة لهم في الوعي والوهم، حيث تصبح سياسات اشاعة ثقافة الرداءة وتعميمها خيارا وحيدا، إلى جانب الاخطر اي تعميم ثقافة الإفساد التي لا تشيد صروحها دون إغراق الجميع في مستنقع تجهيل لا قرار له.

وان كان لكل ضارة نافعة، فإن الأمل يحدونا في ان تكون جائحة كورونا مناسبة لإعادة الاعتبار لكل الأشياء التي أتى عليها مجتمع الاستهلاك، بدء بضرورة توفر إرادة سياسية يسندها بل يرافقها اعلام عمومي صلب في مجتمعاتنا العربية لبناء ذات سيادية ممكنة في ظل انخفاض محتمل لشروط المركز الذي سيخضع بدورة إلى مراجعات كبرى في عديد اختياراته بعد ان كشفت الازمة عن هشاشة كثير منها.

من ناحية أخرى يبدو واضحا ان النظام الاقتصادي العالمي لن يخرج عن دائرة انعكاسات هذا الحدث المفاجئ، باعتبار أن مؤشرات ركود كبرى باتت تهديده والتي بدورها لن تكون دون انعكاسات ستطالب من بين أشياء اخرى أدوات التحليل بنفس القدر الذي ستطالب به أدوات التغير.
ان احتمالات واقعية من هذا القبيل أصبحت نوعا من وقع النظام الدولي الراهن لا شك أنها ستكون أكثر حضورا بعد أن تستكمل الأزمة مراحل اكتمالها.

وهو ما يتطلب إعادة النظر بأدوات التقييم لأنها لن تكون الأدوات الراهنة على القدرة الكافية للتعامل مع هذا الجديد القادم لا محالة.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا