الإنتخابات البلدية الفرنسية في زمن الكورونا: هل يمكن الحفاظ على الممارسة الديمقراطية ومقاومة الوباء الجارف؟

بالرغم من استفحال فيروس كورونا قررت الحكومة الفرنسية الإبقاء على تنظيم الانتخابات البلدية المبرمجة ليومي 15 و 22 مارس

و ذلك بعد استشارة الهيئة الصحية الخاصة المشرفة على تقييم الوباء و أمام تمسك المعارضة اليمينية بذلك و ذلك رغبة منها في دعم الحياة الديمقراطية. لكن اتخاذ قرارات قسرية مثل غلق المؤسسات التربوية و الملاهي والمقاهي والمطاعم و دور الثقافة والعروض وقاعات الترفيه و الرياضة وكل المحلات التجارية ما عدا تلك التي لها علاقة بالتغذية و الأدوية، ساهم في خلق جو من الحيرة في صفوف الناخبين الذين قرر عدد كبيرا منهم عدم الإنتقال لمراكز الإقتراع خوفا من العدوى.
في نفس الوقت الذي نظمت فيه فرنسا الدورة الأولى من الإنتخابات البلدية دون مشكل يذكر، أقدمت دول أوروبية أخرى على رفع مستوى الإحتياط والحد من التجول وغلق الحدود. وقررت بولندا اعتماد قوانين جديدة تحد من الحريات . أما إسبانيا فنشرت قواتها المسلحة في الشوارع بعد اعلان حالة الطوارئ. كذلك الشأن بالنسبة لبلدان مثل صربيا وجمهورية تشيك وإيطاليا وبعض البلدان الأسكندينافية التي حدت من بعض الحريات العامة و منعت التجمعات وحركات التنقل لحماية المواطنين وعزلهم عن مواقع العدوى.
مقاومة الوباء قبل الحريات الديمقراطية
ولئن التزمت كل القوى السياسية الفرنسية بقرار الحكومة الإبقاء على الإنتخابات وشاركت في كل البلديات، فإنها أعلنت بصراحة رغبتها في تأجيل الدور الثاني المبرمج ليوم الأحد 22 مارس وذلك بسبب سرعة انتشار الوباء وخشية أن يساعد انتقال 35 مليون ناخب لمراكز الإقتراع في تفشي الوباء يصفة تصبح مقاونه من باب المستحيل. ووجد حزب الجمهوريين اليميني، الذي أصر على تنظيم الإنتخابات ، نفسه في حالة حرجة في حين تكاد تجمع الطبقة السياسية على قبول مبدأ التأجيل.
و من المتوقع أن يقرر الرئيس إيمانويل ماكرون في خطابه مساء الإثنين إلغاء الإنتخابات أو تأجيلها لموعد لاحق مع التمديد للمجالس البلدية الحالية متابعة تصريف الأعمال المحلية إلى موعد الخروج من حالة «الحصار» التي لا بد أن تقدم عيلها السلطات الفرنسية اعتبارا لسرعة تفشي الوباء و حتمية أن ينعزل كل مواطن في منزله لمدة لا تقل عن 15 يوما للحد من انتشاره. وهو السيناريو الذي يمكن البلاد من معالجة المصابين و تقليص العدوى بصورة فعالة تمكن من القضاء على فيروس كورونا في آجال معقولة تأمل السلطات أن تفضي إلى الحفاظ على صحة المواطنين و عودة الحياة الاقتصادية في أسرع وقت ممكن. و يبدو أن مبدأ الحفاظ على النفس أصبح في زمن الكورونا أساسيا قبل التمتع بالحريات الديمقراطية. و لا يستبعد المراقبون أن تقوم الحكومة برفع حالة اليقظة و إرساء نظام مقاومة للوباء يحد من حرية التنقل و يجبر المواطنين على نوع من «الإقامة الجبرية العامة» في المنازل.
صورة للتوازنات السياسية الحالية
أكدت كل التنظيمات السياسية مساء الأحد على ضرورة الخروج من مشروع الإنتخابات كلف ذلك ما كلف لخطورة الوضع. ولم تعر لنتائج الدور الأول الأهمية التي تحضى بها في سائر الأيام العادية. وحاول الجميع تجاوز النقاشات والجدل العادي في تلك المناسبات والتركيز على الوحدة الوطنية من أجل الخروج من الأزمة. و لو أن بعضهم في الأحزاب اليمينية حاول أن يحمل الحكومة و رئيس الدولة مسؤولية تبعات قرار تنظيم الإنتخابات في حال تفشي الوباء بمستوايات غير منتظرة، وقرار ابطال الإنتخابات أصبح أمرا محسوما لدى الرأي العام مما يسهل أمر الرئاسة في اتخاذ القرار المناسب خاصة أن نسبة العزوف على الإنتخابات فاقت 55 % (20 % أكثر من انتخابات 2014).
هذا «الوفاق» المعلن لم تقابله نفس الصورة في نتائج الدور الأول. إذ أأن هم ما جاء فيه هو عدم نجاح الحزب الحاكم في الحصول على تمثيلية مهمة. فلم يتمكن حزب إلى الأمام من الفوز بأي بلدية كبيرة أؤ متوسطة. وجاء الحزب في ثالث أو رابع مرتبة في جل المدن المهمة في البلاد وعلى رأسها العاصمة باريس أين حصلت الوزيرة السابقة أنياس بوزان على المرتبة الثالثة (26،17 %). ولم يصل الحزب، في بعض البلديات، حتى إلى أرقام تمكنه من تمثيلية في المجالس البلدية. وهو ما يدل على هشاشة العرض السياسي لحزب إيمانويل ماكرون الذي لم يكن له منذ تأسيسه تموقع في المناطق البلدية أو زعامات محلية يمكنها تشكيل حاضنة سياسية في وقت ضيق. مقابل ذلك، أفرزت الإنتخابات تقدما ملحوظا للخضر بزعامة يانيك جادو بعد النتائج المبهرة في الإنتخابات الأوروبية الماضية. ويمكن القول أن الخضر تمكنوا هذه المرة، وخلافا لعادتهم، أن يبلوروا سياسة بديلة أخذت تجمع حولها عددا متزايدا من الناخبين. وسوف يكون لها القول الفصل في الإنتخابات القادمة لما لقضية حماية الطبيعة والمناخ و التحول الإيكولوجي من تأثير على السياسات المستقبلية.
وأظهر التجمع الوطني (يمين متطرف) بقيادة مارين لوبان أنه تمركز بصفة دائمة في المشهد السياسي كحزب له وزنه بعدأن أصبح أكبر حزب فرنسي من حيث عدد الناخبين في الإنتخابات الأوروبية الأخيرة. و نجح التجمع الوطني في انتخاب 6 شخصيات منذ الدور الأول على رأس بلديات في شمال و جنوب البلاد. و أظهر الحزب قابلية أن يلعب أدوارا هامة في المستقبل مع تغلغله المتواصل في الجهات.
رجوع الإستقطاب التقليدي
لكن الموجة الأساسية في النتائج تم تسجيلها من حزب الجمهوريين اليميني و الحزب الإشتراكي الذي اتحد مع باقي الأحزاب اليسارية و الذي تمكن من استرجاع عافيته و تصدرالقائمات للدور الثاني في البلديات اليسارية التقليدية. أما حزب الجمهوريين فسجل نجاحا في كل معاقله و تمكن من الحفاظ على بلديات عديدة كان يترأسها منذ 2014. رجوع الحزبين التقليديين للمشهد تزامن مع تقهقر شعبية حزب إلى الأمام بعد 70 أسبوعا مظاهرات السترات الصفراء و اضراب عملة سكك الحديد لمدة ثلاثة أشهر و الإضرابات الأخيرة ضد قانون التقاعد الجديد مدة شهر كامل و انتفاضة المحامين والعاملين في قطاع الصحة.
وقد أثر الوضع الإجتماعي المضطرب على نتائج الدور الأول و أعطى صورة محدثة للتوازنات السياسية المحلية التي عادة ما لا تعطي صورة على شعبية الأحزاب الحكومية. لكن في زمن فيروس الكورونا و تحديات الوضع الصحي، أظهر الإقتراع أن معاقبة السلطات التقليدية التي تسجلها الإنتخابات البلدية و الجهوية لم تحصل بل كانت بمثابة عمل سياسي يريد المواطن عبره إيصال صوته للسلطات الحاكمة للتعبير عن المساندة أو الغضب وابراز التوجهات المستقبلية التي يرغب في دعمها في الإنتخابات القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا