باريس... «العائلة الماكرونية» في أزمة عميقة: استقالة مرشح ماكرون لبلدية باريس على أعقاب فضيحة جنسية

فضيحة مدوية هزت المشهد السياسي الفرنسي في الأيام القليلة الماضية استقال من جرائها بنجامين غريفو،

الناطق الرسمي بإسم الحكومة السابق، ومرشح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في السباق على رئاسة بلدية باريس في الانتخابات البلدية القادمة وذلك بعد نشر فيديو «ذي طابع جنسي» ظهر فيه على شبكة الأنترنات وشبكات التواصل الاجتماعي. و أشارت البحوث الأولية أن المسؤول السياسي قد أرسل ذلك الفيديو إلى امرأة يشتبه أن تكون عشيقته عام 2018 ويعبر الشريط عن تذمره من «الحبس» الذي يعيشه في عائلته. و نزل الفيديو كصاعقة في صفوف العائلة الماكرونية التي تشكوا منذ مدة من تصدعات أجبرت الرئيس ماكرون على التدخل للحفاظ على وحدة الحزب وهو يدخل في حملة الانتخابات البلدية لشهر مارس القادم.

على مدة شهرين عاش المشهد السياسي على وقع المظاهرات العارمة ضد مشروع إصلاح نظام التقاعد و الإضرابات الشرسة التي دامت أكثر من 50 يوما أدخلت الحكومة والرئاسة في مهب التجاذب. وظهرت في الأسابيع الماضية عدة مشاكل أخرى مع دخول حزب الرئيس ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» معركة الإنتخابات البلدية. وشهدت عدة بلديات تقدم مرشحين من نفس الحزب في نفس الدوائر مما أجبر الرئيس ماكرون على إعطاء أوامر لحسم النزاعات في صفوف حزبه.

و كانت معركة باريس أهم المعارك التي شدت الرأي العام الفرنسي بعد أن دخلها غريفو. و لم يتمكن هذا الأخير من الحصول على نتائج إيجابية في استطلاعات الرأي. بل جلب حوله معارضة شرسة من «الستائر الصفراء» التي تهجمت على مقر وزارته يوم 5 جانفي 2019 عندما كان ناطقا رسميا باسم الحكومة و تعرض منزله بعد ذلك لهجوم قام به عشرات من الناشطين غاضبين من مواقفه ضد الحراك الشعبي. و كان ترؤسه قائمة الحزب في الإنتخابات في باريس محل جدل و نقاش عميق في صفوف حزب «الجمهورية إلى الأمام».

حسم الخلاف بين المرشحين
وهو ما جعل النائب سيدريك فيلاني، وهو عالم في الرياضيات ذو صيت عالمي، يتمسك بترشحه لرئاسة بلدية باريس على رأس قائمة منافسة للمرشح الرسمي للحزب بنجامين غريفو و ذلك بالرغم من تدخل الرئيس ماكرون شخصيا وقبول النائب في قصر الإيليزي. و اعتبر الملاحظون في باريس أن «انتفاضة» سيدريك فيلاني، و طرده من الحزب، يفتحان الباب أمام انشقاق محتمل في صفوف حزب الأغلبية. الفضيحة الجنسية لبنجامين غريفو أربكت الحزب والرئاسة و الحكومة في نفس الوقت و أجبرت الرئيس ماكرون على تعيين وزيرة الصحة أنياس بوزان لتخلف غريفو في الحملة الإنتخابية وتعويضها بالدكتور أوليفيه فيران على رأس الوزارة بالرغم من أهمية الملفات الشائكة التي كانت تديرها مثل ملف التقاعد و الأزمة في المستشفيات الفرنسية ومشكلة «الكورونافيروس».

انشقاق فيلاني و تدخل ماكرون المباشر لصالح غريفو و اندلاع الفضيحة الجنسية أعطى انطباعا سلبيا على مردود الرئيس ماكرون الذي وجد نفسه في التسلل بعد اصطفافه وراء غريفو خاصة أن الحريق كاد أن يندلع في صفوف النواب التابعين لحزب الرئيس بعد أن انتقدهم هذا الأخير في موضوع التصويت على نص قانون متهمهم بطريقة غير مباشرة ب «عدم الإنسانية» برفضهم تمديد إجازة الموظف قانونا عند فقدانه لأحد أبنائه.

محاولة إطفاء الحريق
السحب لا تزال تتراكم فوق قصر الإيليزي . قبل اندلاع الفضيحة الجنسية حاول الرئيس ماكرون إخماد الحريق الذي كاد يعصف بحزبه و اجتمع بالنواب في البرلمان الغاضبين من تصريحاته لإعطاء نفس جديد للعمل الحزبي و البرلماني. لكن بعض النواب لم يكونوا في الموعد وعبر بعضهم عن تحفظه . وهو مؤشر سلبي يفرض على الرئيس استعادة زمام الأمور من أجل الحفاظ على وحدة الحزب.

لكن الهيكلة الحالية على رأس هرم الدولة لا تساعد ماكرون على ذلك. عادة ما يكون الوزير الأول تقليديا «زعيم الأغلبية» أي أنه يقود سير الحكومة و الأغلبية النيابية. لكن في تقاسم السلطة الحالي الوزير الأول إدوار فيليب ليس عضوا في حزب الجمهورية إلى الأمام بل هو «مستقل» ليس له علاقة بإدارة الحزب. في حين يسهر الرئيس ماكرون على التوجهات الدبلوماسية و الشؤون الدولية مثل مواضيع التدخل العسكري في إفريقي ونظام الدفاع الأوروبي والموقف من روسيا و المفاوضات الدولية إلخ.وهو ما أجبر ماكرون على التدخل مباشرة لحل المشاكل في المسائل الحزبية مما جعله عرضة للانتقادات.

دخوله في الصفوف الأولى يضعف موقعه على رأس الدولة و يحشره في متاهات إضافية لا تمكنه من استرجاع شعبيته المفقودة ولا من استغلال النجاحات المسجلة مثل نزول نسبة البطالة و ارتفاع نسبة الاستثمار. ويبقى الباب مفتوحا أمام أزمات أخرى بعد أن عاش الحزب الرئاسي على شبح «الانتفاضة» التي

عاشها الحزب الاشتراكي الفرنسي في عهد الرئيس فرنسوا هولاند والتي أسفرت على تخليه عن السباق لولاية ثانية. وهو كابوس أصبح محل أنظار أنصار الرئيس ماكرون وكل المراقبين في فرنسا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا