على وقع اتفاق وقف إطلاق النار بين حفتر والسراج: وزير الخارجية الايطالي في تونس وحراك دبلوماسي حثيث نحو برلين

أدىّ امس وزير الخارجية والتعاون الدولي الإيطالي لويدجي دي مايو ، زيارة رسمية إلى بلادنا ، المعلن منها ، هو تعزيز التعاون والتشاور بين تونس وايطاليا

في مختلف المجالات وخاصة في ما يتعلق بالبرنامج الجديد للتعاون من اجل التنمية والاستثمار الايطالي في تونس وكذلك الشراكة في مجال الهجرة. ولكن الملف الليبي تصدرّ هذه الزيارة مثلما شكّل العنوان الأبرز أيضا لمختلف الزيارات الدبلوماسية التي شهدتها تونس مؤخرا بداية من زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود رفقة الوزير أحمد بن عبد العزيز قطان وزير الدولة للشؤون الإفريقية.

واليوم تأتي زيارة وزير الخارجية الايطالي الى تونس في الوقت نفسه الذي احتضنت فيه موسكو لقاء المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج أمس لاستكمال ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار بين القوات الموالية لهما والذي دخل حيز التنفيذ أول امس الأحد، وذلك بعد أكثر من تسعة أشهر من المعارك الشرسة في طرابلس ومحيطها . فيما تعتزم ألمانيا عقد القمة في برلين يوم 19 جانفي الجاري.

وبالرغم من هشاشة اتفاق وقف اطلاق النار وامكانية خرقه في أية لحظة الا ان العيون اليوم تبدو معلقة نحو المانيا ومؤتمر برلين القادم وما يمكن ان يتمخض عنه ليس فقط فيما يتعلق بإنهاء النزاع وانما ايضا بشأن اقتسام «الكعكة الليبية» بين القوى المؤثرة في هذا الملف والتي تحاول حماية مصالحها في هذا البلد بغض النظر عن الثمن والفاتورة الباهظة التي دفعها الليبيون من دمائهم وأرواحهم .

حشد الدعم الإقليمي حول ليبيا
وتصدر الملف الليبي مباحثات وزير الخارجية الايطالي بالمسؤولين التونسيين في محاولة لاستطلاع الموقف التونسي عن قرب وايضا حشد الدعم الاقليمي للموقف الايطالي . وجدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد صباح امس اثناء استقباله المسؤول الإيطالي موقف تونس الداعي إلى إيجاد حلّ سريع للأزمة من خلال حوار ليبي ليبي شامل وفي إطار احترام الشرعية الدولية، مثمنا في هذا الإطار وقف إطلاق النار الذي تمّ إقراره يوم اول أمس.

وفيما يتعلق بدور تونس في الملف الليبي شدّد رئيس الدولة على التزام تونس بمواصلة لعب دور إيجابي لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الليبية بما يحقّق الاستقرار في هذا البلد الشقيق، وأكّد أنّ استمرار الوضع الحالي لا يخدم الاستقرار في المنطقة ولا مصالح الدول الصديقة وهو ما يستدعي مواصلة التنسيق والتشاور لإيجاد حلّ نهائي للأزمة الراهنة.

من جانبه، أكّد وزير الخارجية الإيطالي على مكانة تونس على الصعيد الدولي وعلى دورها المحوري في حلّ الأزمة الليبية وثمّن موقف تونس ومبادرة رئيس الدولة في جمع ممثلي القبائل والمجتمع المدني الليبي في تونس، مبينا أنّه لا يمكن دعم الاستقرار في ليبيا دون تشريك دول الجوار ومن بينها تونس.
وأكّد في هذا السياق، أيضا، على ضرورة تشريك تونس في مؤتمر برلين حول ليبيا وفي كلّ المساعي والمشاورات الرامية إلى حلّ هذه الأزمة.

وشدّد المسؤول الإيطالي على أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية وتنمية الشراكة القائمة بين تونس وإيطاليا مؤكدا على أهمية الشباب كعنصر أساسي في المشاريع المستقبلية بين البلدين.

وأضاف، في هذا الإطار، أنّه تمّ إعداد مشاريع تعاون لدعم الاستثمار وخلق مواطن شغل للشباب خاصة في مجال التكنولوجيا والابتكار، معربا عزم إيطاليا على تعزيز المبادرات التي من شأنها أن تدعم علاقات الشراكة والصداقة القائمة بين البلدين. كما مثّل هذا اللقاء مناسبة لتجديد التهنئة لرئيس الدولة بفوزه في الانتخابات الرئاسية وتثمين مسار الانتقال الديمقراطي في تونس.

وقد وجاءت زيارة لويدجي دي مايو بعد زيارة قام بها وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان الى بلادنا الأسبوع المنقضي، وكان الملف الليبي والتشاور حوله هو الموضوع الأهم لها الى جانب تعزيز العلاقات المتبادلة بين البلدين . فيبدو جليا ان فرنسا وايطاليا تحاول التقاط ذبذبات الموقف الدبلوماسي التونسي فيما يتعلق بالأزمة الليبية وعما اذا كان هناك أي تغير قد طرأ بشأنه مع قدوم رئيس الجمهورية قيس سعيد الى سدة الحكم ولا سيما عقب الرسائل العديدة التي حاول اردوغان اطلاقها من تونس فيما يتعلق بتدخله العسكري في الجوار الليبي ومحاولته الضغط باتجاه استخدام التراب التونسي لأغراض عسكرية في الغرض .

وفي زيارة المسؤول الفرنسي الأخيرة كان لافتا ايضا سعي باريس لحشد الدعم ايضا حول موقفها من الأزمة الليبية وتمّ خلالها الاتفاق على مزيد تعزيز التشاور والتنسيق الثنائي بخصوص الملف الليبي في مجلس الأمن على ضوء انضمام تونس كعضو غير دائم في هذا الهيكل الأممي باعتبارها صوت الدول العربية والافريقية.

وفي خضم تلك الزيارة أعلنت فرنسا عن اقامة شراكة استراتيجية استثنائية بين البلدين من خلال مضاعفة الاستثمارات الفرنسية في تونس قبل نهاية سنة 2022 وتحويل ديون تونس لدى فرنسا إلى مشاريع استثمارية.

فرغم محاولات البعض تغييب تونس عن الملف الليبي الا ان الواقع الجغرافي والتاريخي حتّم على عديد الأطراف العودة الى تونس مجددا في أية محادثات او تسوية تخصّ الأزمة الليبية ليس بفضل «الدبلوماسية التونسية» وما تلعبه من دور بغض النظر عن مدى تأثيره أو هشاشته ، بل بسبب علاقة الجوار والقرب الجغرافي بين تونس وليبيا والتي تجعل من أمن ليبيا جزءا أساسيا من الأمن القومي لتونس .

وواقع الحال اليوم ان الدبلوماسية التونسية أظهرت ضعف أداء وتنسيق فيما يتعلق بالملف الليبي تمثلت بالتصريحات المتناقضة أحيانا داخل رئاسة الجمهورية نفسها او بين من يدير وينسق الدبلوماسية في العلن والخفاء سواء في باردو او قرطاج. وتجلى ذلك من خلال الموقف التونسي الملتبس تجاه الأزمة الليبية خلال المدة الاخيرة والذي ظهر جليا مع زيارة الرئيس التركي الى بلادنا وما أثارته من مخاوف وهواجس من جرّ تونس الى سياسة المحاور او لعبة الاصطفاف الاقليمي بين هذا الطرف او ذاك.

ولئن رحبت تونس بقرار وقف إطلاق النار في ليبيا معتبرة انه خطوة هامة لحقن دماء الليبيين وتهدئة الوضع بما يمهد لإنهاء العمليات العسكرية في هذا البلد الشقيق ويفسح المجال للعودة الى الحوار والتفاوض تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، الا انها مطالبة بلعب دور أكبر في الأزمة الليبية ليس فقط بسبب البعد الجيو -استراتيجي الذي يربطها بالجوار الليبي ولكن ايضا باعتبارها عضوا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2020 - 2021 ، خاصة ان الموقف الدبلوماسي تجاه الازمة الليبية بقي متذبذبا ولم يكن في مستوى الحدث وفي مستوى ما يتطلبه انضمام تونس لمجلس الأمن، من دور فاعل للإسهام لتسوية سياسية شاملة في الجارة ليبيا.

وايضا محاولة قطف ثمار كل هذا الحراك الدبلوماسي الذي شهدته بلادنا من اجل زيادة تدعيم الدور التونسي في الملف الليبي.

خلط الأوراق
اليوم وفيما يوقع حفتر والسراج اتفاقا جديدا لوقف اطلاق النار ، يبدو جليا ان انقرة وروسيا استطاعتا خلط الأوراق في المعادلة الليبية وهذا ما دفع عديد الدول المؤثرة في هذا الملف وخاصة الدول الأوروبية الى مراجعة مواقفها وأدوارها ومن بينها فرنسا وايطاليا التي ترتبط بمصالح مباشرة في بلد عمر المختار . لقد طغى الخلاف والصراع بين روما وباريس والقى بثقله طويلا على الأزمة الليبية خلال الأعوام الماضية حتى ان البعض وصف الصراع الدائر بأنه في أحد أوجهه صراع على النفوذ ما بين شركتي «ايني» و»طوطال» النفطية وذلك من خلال دعم ايطاليا لحكومة السراج مقابل الدعم الفرنسي لخليفة حفتر. ولكن بعد توقيع الاتفاق بين انقرة وحكومة السراج ودخول تركيا على الخط (ومن ورائها واشنطن)، في مواجهة الدور الروسي المتصاعد والداعم لحفتر ، كل ذلك دفع فرنسا وايطاليا المتصارعتين الى حراك دبلوماسي حثيث وإعادة النظر في مواقفهما وربما تتمخض هذه المساعي الى توحيد الموقف الأوروبي خلال مؤتمر برلين القادم، من خلال الاتفاق على اقتسام» الكعكة البترولية».

والجدير بالذكر ان روما لعبت دورا مؤثرا في الملف الليبي منذ 2011 مرورا بمختلف مراحل النزاع ودعمت كل الحكومات المتعاقبة بداية من حكومة الكيب، الى حكومة علي زيدان، فحكومة فايز السراج الذي جاء العاصمة طرابلس على متن بارجة حربية إيطالية. وكل ذلك من باب المحافظة على مصالحها الكبرى في هذا البلد سواء الاقتصادية التي تتمثل بمشاريع النفط والغاز التي تمثلها شركة «ايني» ، وايضا امنية باعتبار ان الشواطئ الليبية والتي لا تبعد عن الشواطئ الجنوبية لايطاليا سوى 300 كيلومتر ، لطالما مثلت معبرا هاما للهجرة غير الشرعية التي تمثل احدى اهم الملفات التي تؤرق مضاجع الايطاليين . وكل ذلك أجج النزاع بين روما التي تعتبر ليبيا منطقة نفوذ لها باعتبارها المستعمرة السابقة وبين فرنسا التي كانت عرابة الاطاحة بالعقيد القذافي وتحاول جاهدة ايجاد موطئ قدم لها في ليبيا من اجل نيل عقود استثمار الذهب الاسود.

والمفارقة اليوم هي ان موسكو اصبحت لاعبا رئيسا في النزاع وما احتضانها للقاء السراج -حفتر ورعايتها لوقف اطلاق النار الى جانب تركيا، الا دلالة على الحجم المؤثر الذي باتت تمتلكه روسيا في الأزمة الليبية وهو ما يثير ريبة وحفيظة الولايات المتحدة ووكلائها الأوروبيين في الملف الليبي وفي مقدمتهم ايطاليا . بات جليا ان تدويل الصراع ودخول عديد القوى على خط الأزمة سيؤثر على دور دول الجوار الليبي ، مثل مصر التي لطالما دعمت حفتر وايضا تونس التي اعلنت سياسة الحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والجزائر والتي كان موقفها أكثر حزما تجاه التدخل العسكري التركي واعتبرت ان طرابلس «خطا احمر» .
الاكيد ان التدخل التركي خلط جميع اوراق الأزمة الليبية وحتّم على ايطاليا وفرنسا والدول الاوربية اعادة التحرك لحفظ المصالح، من خلال دعم المبادرة الالمانية من أجل السلام وشهد الموقف بين فرنسا وايطاليا خلال الشهرين الماضية تقاربا في الأزمة الليبية . مثلما جاء اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، بشكل طارئ في بروكسل، مؤخرا لإعادة تدارك الموقف في ليبيا، ورسم استراتيجية تحرك واضحة في هذا الملف، من خلال تأكيد دعم مؤتمر برلين، والدعوة لوقف إطلاق النار.

واليوم تبدو ليبيا أمام مفترق طرق بعد وقف اطلاق النار ، فإما يفتح اتفاق الهدنة المنتظر ان يوقعه حفتر اليوم في موسكو الباب على مصراعيه نحو برلين او ان يكون تفاهما هشا تعقبه عودة سريعة للمعارك من جديد.

لافروف:
السراج وقع على وثيقة وقف إطلاق النار بليبيا وحفتر طلب مهلة حتى صباح اليوم
أعلنت روسيا أن رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية المدعومة دوليا، فايز السراج، وقع وثيقة تحدد شروط الهدنة في ليبيا، بينما طلب قائد «الجيش الوطني الليبي»، المشير خليفة حفتر، وقتا إضافيا لدراستها. وأفاد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مؤتمر صحفي عقده، امس مع نظيره التركي، مولود تشاووش أوغلو، بعد انتهاء المفاوضات حول وقف إطلاق النار في ليبيا، بتحقيق «تقدم كبير» في المشاورات التي تم عقدها،بحسب قناة «روسيا اليوم».

وأوضح لافروف أن المفاوضات تركزت على النظر في وثيقة تعزز نظام وقف إطلاق النار في ليبيا وتحدد شروطه، لافتا إلى أن السراج ورئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، وقعا عليها، بينما طلب حفتر مهلة لدراسة مسودة الاتفاق حتى صباح اليوم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا