رجوع اليسار إلى الحكم في إسبانيا والنمسا: تراجع الفكر القومي المتطرف يدعم الشق التقدمي الأوروبي

بدأت سنة 2020 بتغيير هام في موازين القوى على الصعيد الأوروبي. فبعد خروج حزب الرابطة المتطرف بقيادة ماتيو سالفيني من الحكومة الإيطالية،

هبت رياح التغيير على إسبانيا و النمسا بالإعلان عن التوصل إلى اتفاق لتشكيل الحكومتين الإسبانية و النمساوية. رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سنشاز حصل على موافقة خصمه اليساري بابلو إغليزياس ، زعيم حزب بوديموس الراديكالي، لتقاسم السلطة في الحكومة الجديدة في حين تمكن المستشار الشاب (33 عاما) سيباستيان كورتز من تشكيل ائتلاف حكومي مع الخضر.

حالتان شاذتان في المشهد الأوروبي لكنهما تفتحان مسارا سياسيا برغماتيا يشبه المسار الألماني الذي تأسس على تحالف اليمين و اليسار لتشكيل الحكومات المتعاقبة منذ عقدين على الأقل. المستشار كورتز (33 سنة) الذي حكم النمسا منذ 2017 صحبة حزب الحرية النمساوي المتطرف إلى حدود اندلاع فضيحة «إيبيزا غايت» في الربيع الماضي التي أطاحت بالتحالف الحكومي. بعد انتخابات سبتمبر 2019 تمكن المستشار النمساوي الذي تصدر النتائج بنسبة 5 ،37 % دون الحصول على أغلبية مطلقة، من التوصل إلى اتفاق مع حزب الخضر لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة تقصي اليمين المتطرف و تركز على «توافق» سياسي بين إجراءات يمينية و أخرى تخدم التحول الإيكولوجي.

و استغل المستشار كورتز رأس السنة الجديدة للإعلان عن «اتفاق تاريخي مع الخضر لتشكيل حكومة جديدة». الحدث تاريخي فعلا لأن النمسا تمارس لأول مرة مثل هذا التحالف و لأن حزب الخضر الذي يتزعمه فيرنر كوغلر يدخل سدة الحكم لأول مرة في تاريخه بعد تأسيسه قبل 33 عاما. و بالرغم من الخلافات بين الرجلين فإنهما عقدا «زواج مصلحة» على أساس تقاسم السلطة لتنفيذ برنامج برغماتي يجمع بين إجراءات «يمينية» تخدم التوازنات المالية العامة و أخرى تعمل على تنفيذ برنامج للتحول الإيكولوجي.

تحول يساري في إسبانيا
تشكيل الحكومة الإسبانية المبرمج للأسبوع القادم، بالرغم من نقائصه، يعتبر فرصة لخروج المملكة من الأزمة الحكومية التي تخبطت فيها منذ تنظيم الإستفتاء على استقلال كتالونيا. ولم تفرز الإنتخابات المتتالية منذ أكثر من سنة أغلبية واضحة تساعد على تجاوز الورطة التي دخلت فيها البلاد. أعطت الإنتخابات الأخيرة التي نظمت في نوفمبر 2019 فوزا للحزب الإشتراكي الذي لم يحقق مثل هذا النجاح منذ 11 سنة. بعد حصوله على 123 مقعدا ، دخل زعيمه بيدرو سنشاز في مفاوضات مع خصمه الشاب اليساري بابلو إيغليزياس زعيم حزب بوديموس (42 مقعدا) ليتفق معه على برنامج حكومي «يساري» يعطي بعدا اجتماعيا للسياسات القادمة. و حصل الحزبان على 167 صوتا - في اقتراع ثان على الحكومة - تمكنها من

الحكم بالرغم من عدم حصولها على الأغلبية اللازمة (176) حسب الدستور الإسباني.

و من أجل التوصل إلى أغلبية نسبية وعد بيدرو سنشاز التشكيلات التي تمثل الأقليات الجهوية و على رأسها اليسار الجمهوري بكتالونيا الإنفصالي بالعمل على حل مشكلة الأقاليم. و ثارت ثائرة اليمين و حزب «فوكس» المتطرف ضد هذه الوعود. و اعتبر بابلو كازادو رئيس الحزب الشعبي أن الحكومة «تجمع بين الشيوعيين و الإنفصاليين « و أنها تعمل على «تهديم إسبانيا» . و اعتبر ذلك «خيانة للمملكة». وضع هش للحكومة الجديدة سوف تواجه فيه هزات لتمرير كل القوانين الإجتماعية المبرمجة.

مخبر أوروبي تقدمي
النمسا و إسبانيا يعطيان للمشهد السياسي الأوروبي مثالا على توخي نهج جديد في التحالف من أجل بعث تجارب سياسية تجدد التحالفات والتوازنات نحو برامج «تقدمية» توافقية. وإن كان التحالف بين الحزب الإشتراكي وحزب بوديموس في اسبانيا يعتبر طبيعيا بين تشكيلتين من اليسار فإن دخول بابلو إيغليزياس الحكومة في منصب نائب للرئيس مكلف بالشؤون الإجتماعية والتحول الإيكولوجي يعطي بعدا جديدا للسياسة الحكومية يأخذ بعين الإعتبار المنعرج الإيكولوجي الذي تجسم في تنامي التشكيلات الإيكولوجية في ألمانيا وفرنسا والبلدان الأسكندنافية خلال الإنتخابات الأوروبية الأخيرة.

نفس المقاييس السياسية اتبعها المستشار النمساوي سباستيان كورتز في مفاوضاته مع الخضر. وصرح عند إعلانه عن التوصل إلى اتفاق :«لم تكن المفاوضات سهلة لآن الحزبين لهما توجهات برامجية مختلفة. لكنا تمكنا من الحصول على نتيجة متميزة تكرس أحسن ما هو موجود في سياستي الحزبين». وأضاف في شأن التوافق: «أصبح من الممكن أن نخفض الضرائب و في نفس الوقت أن نعطي للنظام الضريبي نفسا إيكولوجيا و نحمي في نفس الوقت البيئة و الحدود».

في «تحمل الخضر مسؤولياتهم» بعبارة زعيمهم فيرنر كوغلر ضرب من ضروب التوجه السياسي المجدد للمشهد السياسي الأوروبي الذي تلعب فيه النمسا و إسبانيا – وكذلك إيطاليا – دور المخبر السياسي الذي يمكن أن يفرز إجراءات و توجهات جديدة تؤسس للإستراتيجية تقدمية من نوع جديد يعمل على تمريرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتصدي للحركات القومية واليمينية المتطرفة. نهج سياسي يبقى افتراضيا لما للتحالف الحكومي من هشاشة و لما للواقع السياسي من مستلزمات لا تخضع بالضرورة للتحالفات. الممارسة الحكومية القادمة في البلدين سوف تحدد تشكيل السياسات الجديدة التي تؤسس مستقبل العشرية الجديدة في أوروبا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا