قمة سبعينية الحلف الأطلسي في لندن: محاولة محتشمة للخروج من حالة «الموت السريري»

إنتهت في العاصمة البريطانية لندن قمة «سبعينية» الحلف الأطلسي بتوقيع الأعضاء ال 29 على بيان نهائي حاول جبر المخاطر

التي هددت المؤسسة بعد أن اعتبرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «نافذة الصلاحية» وبعد أن أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنها «في حالة موت سريري» . و أكد البيان الختامي على أن «التضامن و الوحدة و التماسك هي المبادئ الأساسية للحلف» مضيفا «في حين نعمل جميعا على تفادي الصدامات و ضمان السلم، يبقى الحلف الأطلسي أساس الدفاع المشترك والمنبر الأساسي للمشاورات و أخذ القرار في مسالة أمن الحلفاء».

هذا البيان التوافقي لم يخف تباين المواقف والاختلافات التي تشق الحلف. فمنذ بداية القمة فتح الرئيس الأمريكي النار على نظيره الفرنسي معتبرا تصريحاته الأخيرة ضد الحلف الأطلسي «شتيمة» محددا بذلك الشرخ الأساسي في الملف بين الأوروبيين الذين يريدون إرساء نظام عسكري أوروبي مستقل و في طليعتهم إيمانويل ماكرون، و بين من يعتبر أن الغطاء العسكري الأمريكي أساسي لحماية مصالح الدول الأعضاء.

و كان الملف التركي السوري، منذ البداية، أهم المآخذ التي تقدم بها الجانب الفرنسي بعد أن قررت الولايات المتحدة الأمريكية التخلي عن الحليف الكردي و قررت سوريا احتلال الشريط الشمالي للأراضي السورية بدون إشعار الحلفاء، بل واضعة العسكريين الأوروبيين المتواجدين في المنطقة في حالة خطر داهم أوشك على تشابك مع القوات التركية الحليفة. وأشارت بعض الوفود إلى شراء أنقرة معدات عسكرية روسية مضادة للطائرات الشيء الذي يجعل موسكو تشق الحلف من الداخل و تطلع على نظمه التكنولوجية. وهددت تركيا بعدم المصادقة على مشاريع الدفاع على دول البلقان و بولندا قبل أن تتراجع وتصادق على البيان الختامي. و بالرغم من تدخل وزير الخارجية الأمريكي فإن تركيا أصرت على محاربة الأكراد السوريين الشيء الذي أغضب الوفدين الألماني و الفرنسي دون أن تغير أنقرة من موقفها.

مخاطر روسيا و الصين
و خفض دونال ترامب ، الذي يخوض سنة انتخابية، من انتقاداته بل أكد على ضرورة توحيد الحلف ضد المخاطر التي لا تزال تهدده. و تولى مايك بومبيو وزير خارجية أمريكا تعداد المخاطر الروسية التي تحدق بأوروبا والعالم بعد أن ركزت موسكو نفوذها في كرواتيا و سوريا و الشرق الأوسط و فنزويلا. و وصف بومبيو الأعمال الروسية بأنها «عدائية، تشكل تهديدا للأمن الأوروبي و الأطلسي». و تعارض الموقف الأمريكي مرة أخرى مع الموقف الفرنسي الداعي إلى «التطبيع مع موسكو» أي إلى التوصل إلى اتفاق يقي المنطقة الأوروبية من مخاطر تؤثر بالأساس على الأوروبيين. وتقرر متابعة هذا الملف بين إيمانويل ماكرون و أنجيلا ميركل التي هي الأخرى ترغب في حل الأزمة مع موسكو بالطريقة السلمية ، وفي إطار عمل الرباعي الراعي لمسألة أوكرانيا، لضمان المبادلات بين برلين و موسكو التي تفوق 90 مليار يورو سنويا.

الرهان الثاني للحلف و الذي أقرته قمة لندن هو الملف الصيني. لأول مرة يقر الحلف الأطلسي بـ«الرهانات والفرص» التي تضعها الصين على الطاولة كقوة اقتصادية لها قدرات عسكرية وتكنولوجية متزايدة، خاصة في ما يتعلق بالجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصال التي سوف تتأسس حولها شبكات الاتصال والذكاء الرقمي المستقبلية وهو ما يجعلها تتقدم على باقي الدول الغربية و تشكل خطرا استراتيجيا على مستقبل النفوذ الأمريكي في العالم.

بحث المشروع السياسي
وكلفت القمة الأمين العام للحلف جانس ستولتنبيرغ بالشروع في «التفكير الإستشرافي» والتشاور حول «دعم البعد السياسي للحلف» وهو المأخذ الذي أشار إليه الرئيس ماكرون. و لو أن القمة لم تحدد الفريق الذي سوف يشرف على هذا الملف فإن الأمانة العامة أشارت إلى ضرورة تشكيل الفريق في بداية جانفي 2020 على أن تنعقد القمة المقبلة خلال سنة 2021 أي بعد نهاية الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

وحددت القمة كذلك الميادين التي يشملها تدخل مؤسسات الحلف في المستقبل. بعد التدخل في الأرض والسماء و المحيطات قرر الحلف الأطلسي دخول الفضاء الرقمي للتصدي للأعمال العدوانية التي حسب الاتهامات المعلنة، قد تقوم بها موسكو وباي جين. و لم يتبين مدى الدعم الذي يمكن أن يقدمه الحلف لفرنسا في حربها على الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي. بل أن الوفد الأمريكي أكد في محادثاته الجانبية على ضرورة التركيز على ملف الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي و ليبيا وهو الفضاء الذي تقوم فيه القوات الأمريكية المتمركزة في إفريقيا بعمليات عسكرية ضد الجماعات المقاتلة. هذه الخلافات تؤكد مرة أخرى على أن الحلف الأطلسي و إن أراد أن ينشر صورة الجسم المتعافي فإن حقيقة المداولات في جوهرها أكدت على أن «الرجل المريض» لم يخرج بعد من حجرة الإنعاش بالرغم من قدرته الفائقة على الأذى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا