فرنسا: 40 إجراء لمقاومة العنف ضد المرأة: تحول ثقافي عميق في السياسة الفرنسية

قررت الحكومة الفرنسية اتخاذ حزمة من الإجراءات لمقاومة العنف داخل الأسرة ضد المرأة و ذلك إثر انتهاء المؤتمر العام ضد العنف الزوجي

الذي انعقد طوال ثلاثة أشهر وانتهى يوم الإثنين 25 نوفمبر وقد جمع أعضاء من الحكومة ومسؤولين في الجمعيات النسائية وخبراء قضائيين وأطباء و ناشطين محليين. وكانت وزيرة المرأة مرلان شيابا قد قادت الحملة الوطنية ضد العنف الزوجي خاصة وأن عدد النساء اللاتي يفقدن الحياة جراء عنف أزواجهن لم ينخفض بل أن 121 امرأة كن ضحايا ازواجهن عام 2018 في حين وصل عدد الضحايا من النساء الى 137 هذه السنة إلى حد شهر أكتوبر أي بمعدل قتيلة كل يومين.

قمة «غرونال» التي عادة ما تقام في باريس لمناقشة مسائل مصيرية مختلفة تحت لواء الحكومة، خصصت هذه المرة لدراسة حالات العنف المسلط على المرأة من قبل الزوج والذي يمتد من العنف اللفظي و المادي إلى حالات القتل. و انكب المشاركون لأول مرة على وضع خطة شاملة لمقاومة الظاهرة. و إثر انتهاء المؤتمر اعتمدت الحكومة حزمة من التوصيات تبلورت في 40 إجراء سوف تحول خلال شهر جانفي المقبل إلى مشاريع قوانين لإضفاء شرعية تنفيذية على كل التحركات المتعلقة بها.

عزل الأزواج العنيفين
أهم إجراء في حالة وقوع عنف ضد الزوجة هو إقرار عزل زوجها العنيف و تحويله إلى مركز إيواء يقوم بمتابعة حالته عبر تمكينه من علاج نفساني وهو إجراء يخص العنف غير القاتل و بعد أن تقرر المحكمة العقاب، في حين يسجن القاتل حسب القانون المعمول به حاليا. و يطبق حمل أسورة إلكترونية على الجاني تكون مرتبطة بمراكز الشرطة لمنعه من الاقتراب من زوجته و تسهيل التدخل الفوري لأعوان الشرطة.

و تقرر كذلك حجز أسلحة الزوج عند أول عملية عنف لمنعه من استخدام سلاحه لقتل زوجته. و حسب إحصائيات وزارة الداخلية، 8،31 % من حالات القتل تستخدم فيها الأسلحة الشخصية. وتقرر نزع الوصاية على الأطفال للأب القاتل لزوجته . و صرح الوزير الأول إدوار فيليب أنه سوف يقع تنقيح البند 205 للقانون المدني لمنع الأب القاتل من التمتع بمساعدة مالية من قبل أبنائه عند الشيخوخة. و سوف تتمتع المرأة ضحية العنف بالمسكن العائلي في غياب الزوج . و تم تخصيص 1000 مسكن جديد لإيواء النساء بصفة استعجالية.

وقاية من أجل حماية المرأة
إجراءات الوقاية المقررة تخص أجهزة الشرطة و القضاء و المدرسين . في البداية، الخط الهاتفي (3919) المستخدم حاليا للإبلاغ عن العنف الزوجي سوف يتم تمديده على كامل الأسبوع و على مدار الساعة حتى يغطي كل أيام السنة و يمنع عمليات القتل. وهي وسيلة تم تركيزها في هذه السنة و أظهرت جدواها في تمكين

النساء من الخروج من صمتهن وأخذ القرار بالإبلاغ عن العنف الأسري. في المقابل تم إحداث خطة مدع عام مختص بالعنف الزوجي يتولى فتح التحقيق العدلي و اتخاذ الإجراءات العاجلة الضرورية.

على مستوى الشرطة تقرر تكوين قوات الأمن في خصوص ظاهرة العنف ضد النساء و تمكينهم من ورقة تقييم تضبط كل حالة عنف يكون العون ملزما بضبطها وإبلاغ المدعي العام. وكانت عديد النساء قد شهدن بعدم اكتراث أعوان الشرطة بتصريحاتهن ونددن بوقوف الأعوان في صف الرجل العنيف. هذه الورقة التي تحتوي على 23 سؤالا سوف تساعد على تقييم الخطر بعيدا عن الميول الشخصية والتقييمات التقليدية لأعوان الأمن. وتم حذف العمل بالوسيط الذي يتدخل لتصفية الأجواء بين الأزواج والذي عادة ما يجبر المرأة على قبول العنف كحالة «طبيعية». وهو ما يشجع الرجل على التمادي في استخدام العنف ضد زوجته.

و تمتد الوقاية إلى التعليم حيث تقرر إخضاع المدرسين إلى عملية تدريبية إجبارية من أجل فرض المساواة بين البنات والبنين وذلك في خطوة ترمي إلى تركيز الوعي منذ الطفولة بضرورة احترام المساواة بين الرجال والنساء. وهو ما يعطي لهذه العملية بعدا ثقافيا يساهم في تربية الأجيال على احترام النساء.

مسائل عالقة وأخرى محل خلاف
يبقى أن بعض الإجراءات المتخذة يصعب تطبيقها مثل إقرار مبدإ «الانتحار المرغم». وهي حالات انتحار سجلتها السلطات بعد أن اعتمد بعض الازواج الهرسلة واستعمال العنف بكل أنواعه والتهديد بالقتل الشيء الذي أدى إلى انتحار الزوجات. وسوف يصعب على القاضي تحديد مسؤولية الزوج بصفة واضحة و عادلة. الإجراء الثاني الذي شكل جدلا يتعلّق بجبر الأطباء على الإبلاغ عن الزوج في حالة معاينة الطبيب مظاهر استخدام العنف عند استقباله لعلاج الزوجة.ويتعارض هذا الإجراء مع مبدإ السرية الذي يخضع له الطبيب. ومن المحتمل أن تضفي المفاوضات مع عمادة الأطباء إلى تسوية لموضوع العنف الأسري بتأثير من الرأي العام.

أما المنظمات النسائية فبالرغم من إقرارها بالإجراءات وبأخذ الحكومة لهذا الموضوع مأخذ الجد والتزامها بالعمل على تغيير العقليات وتمكين النساء من الحماية اللازمة فإنها انتقدت بشدة حجم الميزانية المعتمدة و التي تعتبرها غير كافية. وأعلن الوزير الأول أن 360 مليون يورو سوف تخصص لدعم هذا المشروع مع العلم أنه باعتبار ميزانيات جل الوزارات المتدخلة أفقيا في الموضوع يصل الإنفاق العام لمقاومة العنف الزوجي، في كل أبعاده، إلى أكثر من مليار يورو. وردّ الوزير الأول إدوار فيليب قائلا: «لنا المال الكافي لتغيير التعامل» مع هذه الظاهرة. على العموم، و بالرغم من الانتقادات العادية في الحياة الديمقراطية، فإن فرنسا تخطو بهذه الإجراءات خطوة جريئة في مقاومة العنف ضد النساء قبل أن يستولي الإتحاد الأوروبي على هذه المسألة ويعممها على كل الدول الأوروبية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا