فرنسا تتجه نحو تأسيس دبلوماسية جديدة: من منتدى باريس إلى منتدى داكار حول السلام

ركز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، بعد أحداث مظاهرات «السترات الصفراء» العنيفة يوم السبت 9 نوفمبر بالعاصمة باريس ،

على الرهانات الدولية الحارقة بافتتاح منتدى باريس للسلام يومي 12 و 13 نوفمبر وبمشاركة 6000 مسؤول من أكثر من 40 دولة و حضور 30 رئيسا معظمهم من أوروبا و إفريقيا التي كانت حاضرة عبر مشاركة رؤساء الكامرون و تشاد و مالي و الكونغو. وركز المنتدى أساسا على مواضيع الأمن و التعليم والمحافظة على الطبيعة. وأعطى المنتدى في الأخير انطباعا بأنه الوجه السياسي والدبلوماسي لما عليه منتدى «دافوس» السويسري الذي يخوض بصورة غير رسمية و بدون أخذ قرارات تنفيذية في مواضيع دولية لتقريب وجهات النظر بين المشاركين.

ولئن تغيب جل زعماء العالم الكبار عن هذه الدورة الثانية للمنتدى الذي تنظمه فرنسا تزامنا مع الاحتفال بنهاية الحرب العالمية الأولى، فإن الدبلوماسية الفرنسية حاولت أن تركز مرة أخرى على مشاركة متعددة الأطراف كنموذج لما يجب أن تصل إليه العلاقات الدولية بعيدا عن السياسات الانعزالية و عن الاستقطاب الثنائي الأمريكي الصيني الذي يهيكل التوازنات الحالية على المستوى الدولي.

و بعد أن أقر الأسبوع الماضي بحالة «الموت السريري» لمنظمة الحلف الأطلسي، أعلن الرئيس ماكرون في افتتاح المنتدى أنه من أجل «الخروج من الأزمة غير المسبوقة للنظام العالمي» و من السياسات الانعزالية التي «أدت إلى الحرب في الماضي» ، وجب الدفاع على «نهج التعاون المتوازن في نظام متعدد الأقطاب». و أكد أن «أوروبا هي المكان الذي نعرف فيه أكثر من أي مكان آخر في العالم ثمن عدم التعاون المشترك» مضيفا أن «أوروبا يمكن أن تكون قطب ثقة بين الولايات المتحدة و الصين».

نحو دبلوماسية جديدة
حاولت الدبلوماسية الفرنسية أن تبرز أنموذجا جديدا في التعاون الدولية بمشاركة الحكومات والمؤسسات الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة و الإتحاد الأوروبي واعطاء مساحة واسعة وجديدة للمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع الدولي من أجل «إعادة خلق علاقات متعددة الأطراف وأنواع حديثة من التعاون من أجل أن يكتسح السلام كل يوم أماكن جديدة»، حسب عبارات الرئيس ماكرون.

و إضافة الى مشاركة المنظمات غير الحكومية و الباحثين في ميادين العلاقات الدولية و التنمية و التحول الإيكولوجي، اعتمد المنتدى لأول مرة، و بصورة شفافة، على تمويل غير حكومي إذ تكفلت منظمتا «أوبن سوسايتي» و«مايكروسوفت» بتمويل المنتدى والمشاركة المباشرة في تنظيمه. وهي طريقة طريفة في الانفتاح على المؤسسات الاقتصادية و المنظمات غير الحكومية. لكن التجديد في الأسلوب لم يخف الضوابط الدبلوماسية التقليدية التي ترمي في الأساس إلى ضمان دور فعال للجانب الفر نسي على الساحة الدولية المتقلبة والتي لا ترغب باريس أن يتقلص فيها دورها في المناطق التي تخضع لها تقليديا أو تلك التي تلعب فيها دورا فعالا مثل القارة الإفريقية.

مقاومة الإرهاب و المصالح الفرنسية الإفريقية المشتركة
ومباشرة بعد انتهاء أعمال منتدى باريس تنقل الوزير الأول الفرنسي إدوار فيليب مع فريق يضم 6 وزراء من بينهم وزير الخارجية و وزيرة الجيوش إلى داكار للمشاركة في «منتدى السلام و الأمن بداكار» في دورته السادسة (يومي 18 و19 نوفمبر) من أجل مساندة دول الساحل الإفريقي في مقاومتها للإرهاب. ويستقبل منتدى داكار سنويا أكثر من 40 دولة افريقية من أجل بلورة مواقف مشتركة لمقاومة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي و دعم سبل ضمان الأمن في القارة. و تلعب فرنسا الحاضرة عبر «برنامج برخان» العسكري في المنطقة دورا أساسيا في مساندة مجموعة الدول الخمسة التي تقود الحرب على الإرهاب.

وقدم الوزير الأول الفرنسي إلى داكار و في حقيبته سيف الحاج عمر طال مؤسس إمبراطورية «توكولار» التي كانت تشمل المنطقة بين غينيا و مالي قبل الاستعمار الفرنسي. وهو أكبر زعيم روحي للطريقة التيجانية في إفريقيا. لإعادته إلى مستحقيه ويرمز ذلك إلى طي صفحة الاستعمار و الدخول في علاقة أفقية تحدد المصالح المشتركة بين فرنسا والسنغال و الدول الإفريقية. وتجسمت هذه العلاقة بتفعيل الدعم العسكري لـ«مجموعة الخمسة» التي تضم 5000 مقاتل يشاركون في مقاومة الحركات الإرهابية في الساحل الإفريقي و كذلك بتقديم مساندة مالية و عسكرية للسنغال عبر تحقيق صفقة شراء صواريخ وبواخر حربية من أجل حماية المنطقة الساحلية السنغالية المعتمدة في استخراج النفط و الغاز ابتداء من عام 2021.

قمتان دوليتان في أسبوع واحد كانتا مناسبتين للدبلوماسية الفرنسية لتدعيم تواجدها على الساحة الدولية و خاصة في القارة الإفريقية التي تعتبرها باريس متنفسها الطبيعي بعد فترة الاستعمار و التي تشهد منذ عدة سنين تقلبات جسيمة مع تنامي الحركات الإرهابية. و شهدت الأسابيع الماضية عمليات إرهابية دامية في مالي خلفت عشرات القتلى في صفوف الجيش المالي و القوات الدولية المنتصبة في المنطقة والتي أدت إلى أخذ قرارات حاسمة لدعم القوى العسكرية الإفريقية المتعاملة مع فرنسا في مقاومة الإرهاب وفي فرض السلام في المنطقة. دبلوماسية فرنسية جديدة لها طعم قديم.حسب جل الخبراء المهتمين بالشأن الإفريقي وهي لن تتمكن من حل أزمة الإرهاب دون تمكين الأفارقة من تطوير قدراتهم الذاتية و تنمية اقتصادياتهم للقضاء على الحاضنة التي تحمي الإرهاب والتي أصبحت تربط خيوطا خطيرة مع كل أنواع المهربين والمجرمين العابرين للحدود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا