في الذكرى الـ 102 لوعد بلفور... ندوة فكرية لمركز مسارات حول اللجوء الفلسطيني وصفقة القرن

مرت امس الذكرى الـ 102، لوعد بلفور المشؤوم الذي اطلقه وزير الخارجية البريطاني الأسبق آرثر جيمس بلفور،

في 2 نوفمبر من عام 1917، إلى اللورد (اليهودي) ليونيل وولتر دي روتشيلد، يعده بتسهيل «تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين». هذا الوعد الذي غير معالم المنطقة وغرس الاحتلال الصهيوني في فلسطين ومعه بدأت مرحلة خطيرة من الصراع مع الاحتلال خاض خلالها العرب والفلسطينيون العديد من الحروب من اجل تحرير الأرض وإعادة الحق الفلسطيني ...

ويتمسك الفلسطينيون بحقهم التاريخي بالعودة لأرضهم ووطنهم بالرغم من كل الضغطات الصهيونية والأمريكية التي تمارس عليهم من اجل انهاء القضية وتصفيتها وآخرها ما يسمى بـ«صفقة القرن».

وبمناسبة الـالذكرى 102 لصدور وعد بلفور عقد المؤتمر الدولي للتضامن النضالي التشاركي مع الشعب الفلسطيني ندوة فكرية امس بمقر مركز مسارات تحت عنوان « اللجوء الفلسطيني بين وعد بلفور وصفقة القرن». تطرق خلالها المشاركون الى عدة محاور تتناول مستقبل القضية الفلسطينية في ظل التحديات الراهنة والتغيرات الدائرة في المنطقة .

جغرافية اللجوء في ظل الاستعمار
وقدم د. عابد الزريعي المنسق العام للمؤتمر الدولي مداخلة بعنوان «جغراسياسية اللجوء الفلسطيني في ظل الاستعمار الاستيطاني». وقد أكد ان محاولة حصر اللجوء الفلسطيني في المرحلة التاريخية التالية لعام 1948 تنضوي على مغالطة تاريخية تقود في نهاية المطاف الى المحو التدريجي للمرحلة الاستعمارية البريطانية التي تأسس خلالها كل المقومات التي قادت الى تطور عملية اللجوء التي بلغت ذروتها في العام 1948. جاءت المداخلة في ثلاثة عناوين فرعية هي:

أولا: الاقتلاع الجزئي والنزوح الداخلي في منطقة القلب: 1917 ــ 1948

وقد اعتمدت بريطانيا كقوة استعمارية خلال تلك المرحلة على الاتفاقيات الدولية (سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917) من ناحية وعلى العنف المادي والقمع الممارس ضد الشعب الفلسطيني، وحيازتها للشرعية الدولية بموجب حل الانتداب الذي اقرته عصبة الامم، لمنع تشكل شخصية دولية للشعب الفلسطيني. وتوجيه العلاقة بين المجتمع الفلسطيني والتجمع الاستيطاني الصهيوني المتشكل عن طريق الهجرة، في النطاقات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية. لصالح العصابات الصهيونية.وقد ترتب عن ذلك بدايات اللجوء الفلسطيني الذي اتخذ طابعا داخليا، حيث لجأ الاف الفلاحين الفلسطينيين المقتلعين من ارضهم وقراهم عنوة الى المدن الفلسطينية فيما شبه حالة نزوح داخلي، ترتب عنها ازدياد عدد سكان المدن بسبب الهجرة اليهودية والنزوح من الارياف.وفي ظل هذا الوضع تمثلت ردة فعل الشعب الفلسطيني في المقاومة بكافة اشكالها من اجل الاستقلال والغاء وعد بلفور ووقف انتقال الاراضي الى اليهود. ومن الجدير ذكره ان الشيخ عزالدين القسام كان اول من التقط معنى حالة اللجوء الداخلي ولذلك ركز عمله السياسي والنضالي في اوساط المقتلعين من ارضهم ليشكل بذلك بدايات الثورة المسلحة عام 1935.

ثانيا: الاقتلاع الكلي واللجوء بين القلب والمحيط. 1948 ــ 2019
حيث توافقت الرؤية النظرية للحركة الصهيونية مع ادوات الفعل المادي والعنفي وارتكاب المذابح بدعم بريطاني وتقصير وتخاذل عربي في حدوث موجة اللجوء الكبرى، حيث تم تهجير ما يقارب 800000 فلسطيني، وتشتتها في منطقة القلب حوالي 60000 في 48 «الأقلية العربية» و(الضفة ـ والقطاع غزة) 400000. /تبدل قياسا لحالات النزوح الداخلي، حيث تبدلت كينونتهم. ومنطقة المحيط (العراق ـ سوريا ـ لبنان ـ مصر.. الخ) وتقدر بحوالي 300000 لاجئ.
وقد تشكلت ردة الفعل في ثلاثة مستويات:

1 ـ المستوى الفلسطيني: حيث واجه اللاجئون الفلسطينيون عملية الاقتلاع بالصمود والمقاومة وصياغة الرموز الثقافية والسياسية التي تحث وتؤكد على حق العودة.
2 ــ على المستوى العربي: حيث تناقضت الممارسة مع القول، فعلى مستوى القول كان الشعار السياسي يتحدث كل يوم عن تحرير فلسطيني، وعلى المستوى العملي تمت ممارسة اكبر عملية اذلال اجتماعي واقتصادي وسياسي بحق الفلسطينيين في اغلب البلدان العربية.
3 ــ على المستوى الدولي: فقد تناقضت ايضا سياسة التعامل فمن ناحية ونتيجة لحجم وهول الكارثة تم تقديم الدعم للشعب الفلسطيني، سواء على المستوى السياسي باقرار قرار 194 الذي ينص على حق العودة، والدعم الاقتصادي من خلال تاسيسي منظمة الاونروا التي تقدم الدعم الاقتصادي للمخيمات الفلسطينية.
ومن ناحية ثانية فقد عمل على تفريغ حق العودة من مضمونه من خلال طرح مشاريع التوطين التي
تجاوزت الخمسين مشروعا. وفي هذا السياق عملت اسرائيل جهدها لإنهاء حالة اللجوء من خلال محاولة تفريغ المخيمات بتدميرها والدفع باتجاه عمليات التوطين لتحقيق مجموع من الاهداف السياسية والامنية والاعلامية لمصلحتها.
مصير اللجوء الفلسطيني

ويعتبر الزريعي في مداخلته ان المرحلة السياسية التي نعيشها تتبدى في طرح صفقة القرن على قاعدة وعد بلفور التي تدفع باتجاه منع تشكل شخصية دولية فلسطينية وتوفير كل السبل لتامين مصير المشروع الاستيطاني الصهيوني.
حيث يتم الاعتماد على مجموعة من الادوات تتمثل في الاسقاط القانوني لمعنى اللجوء الفلسطيني: اي الغاء الأونروا واستبدالها بمفوضية شؤون اللاجئين. وكذلك العمل على الغاء قرار 194 بما يقود اليه ذلك من الغاء لحق العودة.
والتقليص الديمغرافي للاجئين: وذلك إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني. على قاعدة عدم الاعتراف بأحفاد لاجئي 48. والتوطين الجديد: وهو يختلف في مضامينه عن التوطين في الخمسينات من القرن الماضي. فالتوطين السابق كان يركز على تحسين الاوضاع الاقتصادية كمدخل للإلغاء السياسي التدريجي، بينما التوطين الجديد يدخل مباشرة في صلب العملية السياسية التي تلغي صورة اللاجئ الفلسطيني دون تجسيد حقه في العودة. وكذلك التشتيت: بتهجير تجمعات اللاجئين الى بلدان وأماكن متعددة، وتذريتهم في مختلف بقاع الأرض. من اجل افقادهم القدرة على تشكيل مجموعة بشرية متماسكة وواضحة المعالم من ناحية، وافقاد خطاب اللاجئين ببعده المؤسسي المتمثل في الاونروا معناه السياسي.

المرأة الفلسطينية وتحدي اللجوء
من جهتها سردت ماي عيلبوني عضو اتحاد المرأة الفلسطينية وعضو إقليم فتح بتونس في مداخلتها قصت معاناتها ومعاناة المرأة الفلسطينية مع اللجوء... بالقول :«في اللجوء تصير أنت أكثر وتتعدد ، يصير اسمك هو اسم بلدك «لاجئ فلسطيني» وأنا رأيت نور الله في مخيم ، اسمي ماري عيلبوني ولدت لاجئة في مخيم اليرموك، عرفت أنني من قرية في شمال فلسطين، من الجليل ، قرية عيلبون التي تخيلتها بتفاصيلها من خلال حديث أمي ودموعها التي حرقتني وأنا طفلة». وأضافت:«صوت أمي يصدح بالعتابا والميجانا، تتغنى بجمال وخيرات بلادها، تبكى على أخيها الذي قتلته عصابات «الهاغانا» في مجزرة عيلبون، حين دخلوا القرية وجمعوا سكانها في ساحة الكنيسة ورموا الشباب بالرصاص على مرأى من أمهاتهم ، إمعانا بالقهر والألم.
كتب على ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني الهجرة القسرية واللجوء، سواء الى دول الجوار أو اللجوء الى الضفة الغربية وغزة، لتبدأ رحلة الشقاء والبناء في مخيمات فقيرة وبائسة ، منها انطلقوا يحدوهم الأمل « الذي لا شفاء منه نحو ثورة التحرير، ولإثبات حقهم الشرعي في وطنهم وأرضهم ولتكذيب مقولة «الكبار يموتون والصغار ينسون».

صفقة القرن وحق العودة
الكاتب النفطي حولة هو ناشط نقابي وسياسي وكاتب صحفي ورئيس جمعية المنتدى التونسي للسيادة الوطنية تطرق في مداخلته الى الإطار الذي تتنزل فيه صفقة القرن معتبرا ان تاريخ القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني و باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية تاريخا ملغوما وملغّما بسلسلة طويلة من التسويات التصفوية للقضية الفلسطينية. ولعل أدناها قرارات التقسيم 242/ 181 لسنة 1947 وأقصاها قرارات أوسلو 1994 التي تم بموجبها إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية على جزر من الكانتونات المسيجة والخاضعة لعشرات البوابات وسط أرخبيل من المستوطنات الصهيونية المزروعة. ولم تكن صفقة القرن وليد الصدفة. إذ أن الإدارة الأمريكية التي تحوّلت إلى جانب بريطانيا وفرنسا منذ الحرب العالمية الأولى إلى أكبر حليف استراتيجي للعدو الصهيوني، ما فتئت تلوّح وتؤسس للمشاريع التقسيمية والتسووية، تحت مسميات وعناوين شتى. لعل أبرزها ما يسمى بمبادرات السلام المتعددة والمتواصلة والمستمرة منذ عقود، التي لا تعدو حسب وجهة نظرنا أن تكون استسلاما في ظل غياب موازين قوى على الأرض.

ولعل أبرزها اتفاقية كامب دايفد مع نظام السادات في 17 سبتمبر 1978 التي انتهت إلى «معاهدة سلام» في مارس 1979. ثم اتفاقية وادي عربة مع النظام الملكي بالأردن هي «معاهدة سلام» وقعت بين «إسرائيل» والأردن على الحدود الفاصلة بين الدولتين والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر1994.
وهاهي مشاريع التسويات الأمريكية تتواصل لتأخذ في عهد ترامب ما يسمى بصفقة القرن.

اما عن حق العودة فأكد انه حق شخصي لكل فرد و كذلك هو حق جماعي لكل جماعة أو مجموعة أطردت من أرضها قسرا. وهو حق غير قابل للتصرف، ولا يسقط بالتقادم. وهو إلى جانب ذلك حق كفلته القوانين الدولية وعلى رأسها ترسانة الحقوق الصادرة في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948. ولعل أشهر قرار في الغرض هو قرار 194 الخاص بحق العودة الذي لم يعارضه سوى العدو الصهيوني و حليفته الاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية.

و على الرغم من أن حق العودة لللاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا من ديارهم وأراضيهم عنوة من طرف العصابات الإرهابية الصهيونية، هو حق مكفول قانونيا ولن يسقط بالتقادم. ولكن يبقى بالضرورة تابعا وجزء لا يتجزأ من قضية تحرير الأرض الفلسطينية المغتصبة. ذلك أن شرط تحرير الأرض هو الشرط الموضوعي لحق العودة بالمعنى النضالي والكفاحي. وبعبارة أخرى أن خوض غمار الكفاح الوطني هو المقدمة الضرورية لعودة الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم وأراضيهم التي أطردوا منها غصبا.

وهكذا، حتى لا تبقى القضية الفلسطينية قضية لاجئين، وإنما هي قضية تحرر وطني من الاحتلال والاستيطان الصهيوني، فلا بد أن يتلازم حق العودة مع معركة التحرير الأرض وافتكاك الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في استرداد أرضه وبناء دولته المستقلة على كامل فلسطين التاريخية. ويضيف :«من هنا يصبح مطلب حق العودة، بالإضافة إلى كونه مطلبا حقوقيا وقانونيا يستجيب للمواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والشعوب التي تعاني التهجير القصري والطرد من موطنها الأصلي، مطلبا سياسيا بامتياز».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا