الحكومة الفرنسية تطلق «برنامجا» لمقاومة الراديكالية الإسلامية: رجوع الجدل حول الحجاب في المدارس والمؤسسات العمومية

أسبوع بعد مقتل أربعة أعوان من المخابرات الفرنسية في مبنى الإدارة العامة للأمن بباريس من قبل أحد زملائهم،

دخل الرأي العام الفرنسي في حالة من الغليان و الجدل حول مسألة التعامل مع الإرهاب و «المظاهر الإسلامية» التي أصبحت تطغى على المشهد في عديد المدن الفرنسية. و ذهب بعضهم إلى التنديد في وسائل الإعلام بالإسلام كخطر يحدق بالمجتمع الفرنسي دون التفريق بين الإرهابيين والمواطنين الفرنسيين المسلمين.

في هذه الأجواء المشحونة قرر وزير الداخلية كريستوف كستنار تنبيه مصالح الأمن و الشرطة من مغبة «انفلات» أشخاص مشبوهين بالتطرف في صفوفه قوات الأمن والشرطة و ذلك من أجل تفادي وقوع حادثة مثل التي وقعت في باريس. وأصدرت وزارة الداخلية منشورا تضبط فيه «علامات الراديكالية» التي وجب الإبلاغ عنها عند حصولها. وتعتبر الحكومة ذلك خطوة نحو مقاومة تسلل المتطرفين دينيا من المسلمين في صفوف قوات الأمن والشرطة. وطالب الوزبر بالتبليغ عن كل تلك المظاهر للسلطات العليا من أجل تفادي الإخلال المسجل.

وكانت أجهزة الأمن قد سجلت من قبل، وخاصة بعد العمليات الإرهابية لعام 2015، حالات من التطرف فاق عددها الثلاثين من ضمن 149 ألف عون في الداخلية. ولئن يعتبر هذا العدد ضئيلا فإن السلطات تعطي أهمية قصوى لهذه الحالات لأنها تعتبر أن مظاهر الراديكالية في الحياة اليومية تخبر على خطر قادم مثل الذي حصل في باريس يوم 3 أكتوبر. وقد قامت وزارة الداخلية بإيقاف عدد من أعوان الشرطة وإحالتهم على التحقيق في السنوات الماضية ووضعت آخرين تحت المراقبة من قبل فرقة مقاومة الراديكالية التابعة للتفقدية العامة للشرطة الوطنية التي أحدثت بعد أحداث 2015.
شبهات التطرف الديني في صفوف الأمنيين

تعددت حالات الشبهات التي رصدتها تفقدية الأمن الفرنسي منذ تولي إيمانويل ماكرون السلطة. وأوقفت وزارة الداخلية عام 2017 أحد الأعوان العاملين بمركز «كريملين بيسات» بضاحية باريس بعد ثبوت تقديم إعانات لأخيه المورط في عمليات إرهابية. وقضت المحكمة بسجنه 6 أعوام بتهمة الإرهاب. وتم طرد عدد من الأعوان اعتنقوا الإسلام و قاموا بعمليات مخالفة لقانون اللائكية (فصل الدين على الدولة) تمثلت في الصلاة داخل مراكز الشرطة واستخدام سيارة الأمن لشراء حجاب من محل تجارة إسلامي.

وسجلت الإدارة عام 2017 حالة من الراديكالية الإسلامية في صلب ديوان رئيس الإدارة العامة للأمن في باريس أين وقعت العملية الإرهابية يوم 3 أكتوبر. وقدم العون المعني استقالته من الشرطة بعد أن اعتنق الإسلام و غير مظهره وأخرج ابنته من المدرسة العمومية وألحقها بمدرسة قرآنية لتتعلم العربية بعد أن فرض عليها ارتداء الحجاب. وقد سجلت كذلك حالتان من الراديكالية في المدرسة الوطنية للشرطة من قبل عونين قاما بالدعوة الإسلامية والتحريض على الجهاد. كل هذه الأحداث طفت إلى السطح بعد عملية باريس و أصبحت محل نقاش الخاص والعام مما أجبر وزير الداخلية على تقديم «برنامج» للتصدي للظاهرة.

جدل حول مقاومة التطرف الديني
ولئن تعيب البعض من وسائل الإعلام والجمعيات الإسلامية في فرنسا على وزير الداخلية التركيز على الإسلام والمسلمين دون غيرهم واعتبار أن ذلك ضربا من ضروب التمييز بين الأديان، فإن كريستوف كستنار عبر أمام مجلس الشيوخ عن عدم الخلط بين المسلمين والإرهابيين. بل اعتبر أنه من واجبه اتخاذ كل التدابير لتفادي تكرار العمليات الإرهابية و أن المصدر الأساسي يتأتى من بعض الإسلاميين الراديكاليين.

ونص المنشور على حث الأمنيين، وغير الأمنيين، عل إبلاغ السلطات على كل «مظاهر التطرف» لدى أعوان الأمن وذلك في إطار «مجتمع اليقظة» الذي نادى به الرئيس إيمانويل ماكرون. ويعتبر وزير الداخلية أن من مظاهر التطرف الديني «الممارسة اليومية الفاضحة للصلاة» و«الممارسة المكثفة للدين خلال شهر رمضان» و«إطلاق اللحية» و«الزبيبة على الجبين» و«تغيير المظهر» من ذلك ارتداء الحجاب و الجلابة خارج أوقات العمل و«التغيب في أوقات الصلاة» ورفض سلطة النساء في الإدارة و«العزوف عن شرب الخمر». وهي مظاهر اعتبرت الجمعيات الحقوقية أنها في صلب ممارسة الشعائر الدينية. ولئن اعتبر البعض أن ممارسة الشعائر لا تجوز داخل مراكز الشرطة و في الإدارات فإن ممارستها تبقى قانونية في فرنسا خارج أوقات العمل. لكن في آخر الأمر، يصبح من السهل اعتبار أن الإجراءات الجديدة تمس من حق المواطنين في ممارسة دياناتهم حسب القانون الفاصل بين الدين و الدولة.

وتفاقم الجدل في وسائل الإعلام بخصوص التعامل مع الإسلام برجوع الحديث عن مسألة الحجاب إثر مداخلة نائب يميني من حزب للتجمع الوطني الذي رفض الدخول المجلس الجهوي من قبل امرأة ترتدي الحجاب وكانت تصاحب ابنها في رحلة مدرسية. وتدخل وزير التربية في هذه الحالة معتبرا أن ارتداء الحجاب قانوني لكنه «غير مرغوب فيه في المجتمع» وهو ما بين أن الأغلبية البرلمانية والحكومة نفسها منقسمة في شأن الموقف من الإسلام ومظاهر التدين بعد أن عبرت الناطقة باسم الحكومة أنها ترفض موقف النائب اليميني وتعتبره تعد على القانون. هذا الوضع الغامض والمرتبك يسود منذ مدة الأوساط الحكومية و الإعلامية بسبب عدم بلورة إستراتيجية واضحة لمقاومة الإرهاب الإسلامي لما لذلك من تبعات على وضع المسلمين في المجتمع و تغلغل الحركات السلفية فيه والحال أن المسلمين و غير المسلمين الذين يدخلون في الإسلام هم في الحقيقة ، وفي غالبية الحالات المسجلة، يعتنقون السلفية التي تنخر المجتمع الفرنسي بعيدا عن «الإسلام الفرنسي» الذي تريده السلطة معتدلا و متسامحا يعمل في نطاق القانون على بسط السلم الاجتماعية و لا على تأجيج الكراهية و العنف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا