بوريس جونسن يشكل «حكومة طلاق» لمواجهة رهانات المستقبل: 31 أكتوبر، موعد فراق أوروبا «مهما كان الثمن»

أظهر بوريس جونسن الوزير الأول البريطاني إثر تعيينه من قبل الملكة إليزابيث الثانية سرعة فائقة في تشكيل حكومته.

وقد أطرد نصف حكومة تريزا ماي و عوض الوزراء المعادين لتوجهه بفريق من المقربين نعتهم الإعلام البريطاني بذوي «التوجه اليميني الراديكالي» و كلهم من مساندي الخروج من الإتحاد الأوروبي بدون اتفاق. وأعلن بوريس جونسن عن عزمه الخروج من أوروبا يوم 31 أكتوبر المقبل كلف ذلك ما كلف بريطانيا معتبرا إياه مسألة «حياة أو موت».

الخطوات الأولى تمثلت في تركيز المسؤول البريطاني الأول على عزمه تطبيق البركسيت في موعده كما وعد به الناخبين و كان أول خطاب له للبريطانيين مشحون بالأمل في النمو و الازدهار و العمل على تحسين مناخ الأعمال و البنية التحتية و الصحة والتعليم. أما حكومته فقد ضمت وجوها يمينية معروفة براديكالية مواقفها ضد أوروبا. و يعتقد الملاحظون في لندن أن الحكومة الجديدة لها تسعون يوما أمامها لتقدم حلا عجزت عنه تريزا ماي في ثلاث سنوات.

الاستيلاء على حزب المحافظين
التشكيلة الحكومية الجديدة أخذت صورة «فريق حرب» متناسق تم توزيع الحقائب فيها بطريقة محكمة من أجل تركيز السلطة في أيادي مساندي بوريس جونسن. واتضح أن اليمين الراديكالي للحزب الذي مثل جبهة الخروج من أوروبا في استفتاء 2015 أخذ السلطة في الحكومة وداخل الحزب. و تم تعيين جاكوب ريس موغ رئيسا للبرلمان وهو زعيم المحافظين في البرلمان و مساند لطلاق صريح مع أوروبا.

هكذا يحكم بوريس جونسن قبضته على حزب المحافظين بعد أن تم انتخابه من قبل مناضلي الحزب في خطوة تتمثل في مواجهة الموجة المتطرفة التي يمثلها نايجل فراج زعيم «حزب البركسيت» و الذي فاز بالانتخابات الأوروبية الأخيرة. وهو ما جعل جريدة «ذي اندبندانت» تكتب أن بوريس جونسن غير نوعية حزب المحافظين إلى حزب البريكست.

أوروبا في حالة ترقب
تصريحات المسؤولين في أوروبا جاءت مرحبة بعلاقات «تعاون وصداقة» مع التعبير عن تمسكهم بالاتفاق الحاصل مع تريزا ماي. و كانت فرنسا و ألمانيا و بولندا أول من ركز على تواصل العلاقات مع بريطانيا. و رحب وزير داخلية إيطاليا ماتيو سالفيني بالوزير الأول و هو من مسانديه في أوروبا. و أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه «سوف يعمل معه لا فقط في المسائل الأوروبية و مسألة البركسيت بل كذلك في القضايا الدولية مثل إيران والأمن الدولي.»

من ناحيتها عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن تواصل «الصداقة القوية» مع بريطانيا في حين أصدر حزبها بيانا ينادي فيه بتوخي «سياسة مسؤولة في صالح بريطانيا. مسؤولة بمعنى – بالنسبة لمناصر البركسيت – الاحتياط من بركسيت غير منظم و مكلف». وهو الانطباع الذي يشاطره رئيس الأعراف الألماني بسبب المصالح المشتركة بين البلدين و التي يمكن أن يهددها خروج غير منظم قانونيا.

على المستوى الأوروبي، صرحت رئيسة المفوضية أورسولا فون دار لاين أنها تنوي إعطاء بريطانيا مهلة إضافية للمفاوضات حول البركسيت «إذا ما تقدمت لندن بأسباب حسنة»، وهي خطوة اعتبرها الإعلام البريطاني ايجابية لمعرفتها بتقلبات الوزير الأول الشخصية وقدرته على التصريحات المثيرة. وأضافت رئيسة المفوضية «هنالك مواضيع عديدة و شائكة لا بد من التعامل معها سويا . رهانات الحاضر هي أمامنا و أظن أنه من المهم بناء علاقة عمل قوية و سليمة لأنه علينا أن نحقق شيئا قويا بالنسبة لشعوب أوروبا و المملكة المتحدة». وأعلنت المفوضية أن كبير المفاوضين ميشال بارنيي سوف يستأنف جولاته من المفاوضات مع فريق المفاوضين البريطانيين يوم الأربعاء القادم.

معارضة متعددة الأوجه
في هذه الأجواء التي يسودها الغموض، يواجه بوريس جونسن معارضة من البرلمان الذي قرر، عبر أغلبية متعددة الأحزاب عن موقف واضح ضد الخروج من أوروبا بدون اتفاق تجسم في قانون ضامن للرجوع للبرلمان للتصويت على أي اتفاق قادم. وهذه عتبة قوية أمام بوريس جونسن لأنها تتصادم مع إعلانه الطلاق يوم 31 أكتوبر و لو «بدون اتفاق». و لا يعرف إن يتمكن أو لا بوريس جونسن من الحصول على توافق مع الإتحاد الأوروبي يمكنه من ضمان أغلبية في البرلمان.

داخل حزبه، سوف يواجه بوريس جونسن معارضة في الحزب وفي البرلمان من قبل المسؤولين الرافضين للخروج من الإتحاد والوزراء الذين تم عزلهم . و سوف يشهد البرلمان نقاشات حادة في هذا الميدان حيث أن نسبة اللبراليين في حزب المحافظين انخفضت بصورة مذهلة في تشكيل الحكومة الجديدة. ثالث فريق معارض لبوريس جونسن يتمثل في الحزب العمالي الذي طالب باحترام البرلمان و نبه إلى إمكانية المطالبة بانتخابات سابقة لأوانها في صورة «تهور» بوريس جونسن و أراد تمرير قرار مجحف بدون الرجوع للنواب في مجلس العموم.

يبقى أمام بوريس جونسن رهان أساسي هو الحفاظ على وحدة المملكة بعد أن أعلنت اسكتلندا نيتها تنظيم استفتاء جديد حول الإستقلال، و من ناحية أخرى تخوف جمهورية أيرلندا من إرساء الحدود مع ايرلندا الشمالية و من تداعياته على السلم الاجتماعية الحاصلة في زمن الإتحاد الأوروبي. رهانات متعددة لا يعرف الملاحظون كيف يمكن لبوريس جونسن أن يتجاوزها لتحقيق خروج من أوروبا يوم 31 أكتوبر بدون مشاكل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية