الحراك الشعبي يطالب بانتقال مدني سلمي: السودان ومفترق التغيير

يبدو السودانيون اليوم أمام مفترق تاريخي سيحدد وجهة وملامح النظام السياسي في بلادهم خلال الفترة القادمة، وذلك في الوقت

الذي تسود فيه المخاوف من امكانية ان يستحوذ الجيش على السلطة مستغلا الفراغ الحاصل بعد الاطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير .

وتؤكد الشعارات المرفوعة في شوارع السودان وابرزها « لم تسقط بعد ...اعتصام القيادة العامة...والثورة مستمرة» بان لدى المحتجين ارادة قوية لكسر الوضع الراهن وعدم الاستسلام ومواصلة ما بدؤوه قبل اربعة اشهر من حراك لإسقاط هذا النظام الشمولي بكل ما يمثله من فساد وصراع مصالح ونفوذ.

انتقال مدني سلمي
وتتسع يوميا دائرة المنضمين الى الحراك الشعبي فقد خرج امس عشرات الاطباء بزيهم الابيض من المستشفى الرئيسي في الخرطوم باتجاه ساحة الاعتصام وانضم اليهم الصحفيون في مسيرة منفصلة هاتفين بحرية الصحافة فيما لا يزال آلاف المعتصمين امام مبنى القيادة العامة للجيش يطالبون بانتقال سلمي للسلطة الى حكومة مدنية. فاعلان الجيش بان المرحلة الانتقالية سيديرها مجلس عسكري انتقالي أثار غضب المحتجين وقادة الحركة الاحتجاجية الذين طالبوا بعدم سرقة ثورتهم.

ويبدو ان «قوى إعلان الحرية والتغيير» -والتي تضم مختلف الهياكل ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب المشاركة في الحراك الدائر- قد توصلت وبعد اجتماعات حثيثة الى وضع ما يمكن اعتباره خارطة طريق للخروج من البلاد من مسارها الانتقالي بأقل الاضرار ..وفي بيان مشترك اصدرته امس اكدت ان وفدا ممثلا لقوى إعلان الحرية والتغيير قام بإخطار قيادة القوات المسلحة بملخص الرؤية والخطوات التي سيتم اتخاذها في الأيام التالية لعملية تسلم السلطة المدنية الانتقالية لمقاليد الحكم في البلاد. وتلخصت رؤية قوى إعلان الحرية والتغيير في ثلاثة مستويات للسلطة المدنية الانتقالية، تعمل وفق الدستور الانتقالي الذي تمت صياغته من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير. «أولاً: مجلس رئاسي يضطلع بالمهام السيادية في الدولة.ثانياً: مجلس وزراء صغير من الكفاءات الوطنية المشهود لها بالخبرة المهنية والنزاهة والاستقامة، يقوم بالمهام التنفيذية وتنفيذ البرنامج الإسعافي للفترة الانتقالية.ثالثاً: مجلس تشريعي مدني انتقالي يقوم بالمهام التشريعية الانتقالية، تُمثل فيه النساء بنسبة لا تقل عن 40 بالمئة ويضم في تكوينه كل قوى الثورة من الشباب والنساء ويراعى فيه التعدد الإثني والديني والثقافي السوداني. وبحسب ما صدر في البيان امس فان الإعلان عن كل الشخصيات المكونة لهياكل السلطة المدنية الانتقالية سيتم في الأيام القليلة القادمة، عقب اكتمال عملية المشاورات الموسعة التي تضمن تمثيلاً عادلاً ومتوازناً لكل قوى الثورة السودانية، وتضع بصورة رئيسية قضية ربط الانتقال المدني السلمي للسلطة بقضية وقف الحرب وبناء سلام شامل ومستدام.»

واختار المتظاهرون طريق الحوار من اجل التفاوض مع قوى القوات المسلحة وبحسب ما ذكر البيان امس: «نناشد القوات المسلحة الآن توحيد الصف مع قوى الثورة من أجل انتقال مدني سلمي شامل يعالج قضايا البلاد دون تجزئة أو خلل في الأولويات».

مبادرات خارجية
واللافت هو دخول بعض القوى الاقليمية على خط الاحداث في هذا البلد ، فقد عرضت الامارات التوسط بين المجلس العسكري السوداني والحركات المسلحة السودانية التي تقاتل في ولايات دارفور، ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وقالت مصادر اعلامية ان دبي استضافت اول امس اجتماعا لقادة الحركات المسلحة بينها الحركة الشعبية برئاسة مالك عقار وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي. ويبدو ان المبادرة الاماراتية متناسقة مع مسعى مصري سعودي لتطويق الوضع في السودان خشية من تداعيات الوضع على امن دول الجوار والتي لا تزال غارقة في ازماتها المتراكمة منذ اكثر من ثماني سنوات. اما اوروبيا ، فان الاتحاد الاوربي اعلن عبر لسان مفوضية الشؤون الخارجية بانه لن يعترف بشرعية المجلس العسكري مؤكدا دعمه لمطالب المتظاهرين بمسار انتقالي مدني.

ان اعتقال البشير لم يشف غليل المتظاهرين الذين طالبوا بمحاكمته عن الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه طيلة فترة حكمه المثيرة للجدل والتي امتدت على مدى اكثر من ثلاثة عقود . وفيما عرضت اوغندا اللجوء للرئيس المعزول ،فان الغموض ظل يشوب وضعية الرئيس السوداني فيما تذكر بعض المعلومات بانه تم نقله امس إلى سجن كوبر في الخرطوم.
فالسودان الذي شهد في تاريخه الحديث ازمات عديدة ، اخطرها انفصال الجنوب والحرب الاهلية في دارفور ، ينتظر اليوم مصيره وملامح مستقبله الذي سيحدده صمود المتظاهرين في وجه كل الضغوطات لتحقيق الانتقال السياسي السلمي بأقل الاضرار . وذلك من اجل الخروج من النفق المظلم الذي عاش في ظلامه السودانيون طيلة العقود الماضية وظلوا يبحثون طويلا عن الضوء الذين استشعروا بدايات اشعاعه في صباحهم الثوري الجديد .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية