وضاح تابر المنسق العام للتحالف العربي من أجل السودان لـ«المغرب» : ما يميز الحراك السوداني اليوم أنه ضد نظام ايديولوجي يمثل الاسلام السياسي

قال وضاح تابر المنسق العام للتحالف العربي من أجل السودان في حوار لـ«المغرب» أنّ النظام حاول في البداية ضرب

الحراك في مهده بعنف مفرط، إلا أن صمود المتظاهرين ودقة تنظيمهم في هذه المرة قد أسقط هذا الخيار. وتابع وضاح تابر أن النظام يسير نحو الإنهيار بسيناريوهات متعددة ما لم يحاول الوصول لتسويات سياسية.

• كيف هو الوضع اليوم في السودان والى اين وصلت الاحتجاجات ؟
حتى يستوعب المتابع ليوميات الثورة السودانية مداخل ومخارج وما وراء الحراك، عليه أن يلقي ببصره عبر تجارب الشعب السوداني السابقة. هذا الشعب يتمثل الآن ثورتين تمكنتا من الإطاحة بنظامين عسكريين في أكتوبر 1964 وأفريل 1985. كما سيستصحب في ذاكرته القريبة أحداث إنتفاضة سبتمبر 2013 الدامية. ما يميز هذه الثورة عن سابقتيها أنها ضد نظام أيديولوجي يمثل الإسلام السياسي المتمترس خلف قوة عسكرية باطشة فجمع بذلك قوة الأيديولوجيا مع بطش العسكر. ومعلوم أن النظام قد تمكن خلال ثلاثة عقود من إعادة هيكلة كافة المؤسسات الحكومية والعسكرية وحتى مؤسسات المجتمع المدني بما يحفظ سطوته.
أميز ملامح الحراك الثوري يمكن إجمالها في ما يلي:

البعد الإجتماعي: كانت ثورتا 1964 و1985 صفوية الطابع إلى حد كبير حيث مثلت القوى النقابية الحديثة وطلاب الجامعات وقود هاتين الثورتين بينما كان اللافت في هذه المرة مشاركة النساء بأعداد تكاد تمثل أغلبية المشاركين. وهذا أمر طبيعي للإنتهاكات التي مورست في حق المرأة السودانية بواسطة النظام الذي أمعن في إذلالها. اللافت أيضا أن الشباب من الأعمار دون الثلاثين هي الفئة التي تشكل قلب هذا الحراك.

البعـد الجغـرافي: تركـزت المظاهرات في 1964 و1985 و2013 في قلب الخرطوم العاصمة بينما إندلعت المظاهرات هذه المرة في أقاليم السودان البعيدة حيث شملت الدمازين جنوبا وعطبرة شمالاً والقضارف شرقاً قبل أن تصل شرارتها للخرطوم. وكانت الظاهرة اللافتة أن التلاحم الشعبي والهتاف تمجيدا للمدن الأخرى كان رداً عاصفا على سياسة الحكومة التي تعمدت اللعب على أوتار القبلية والجهوية واتباع سياسة «فرق تسد».

وسائل التواصل الحديثة: بحكم أن قادة الحراك هم من الشباب فقد لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دورا جبارا في حشد الناس وتنظيم المظاهرات لدرجة صار المواطنون يضعون جدول أعمالهم وتحركاتهم اليومية وفقاً لجدول التظاهرات المعلن. وقد أثار تجمع المهنيين السودانيين إعجاب الناس لمقدرته العالية ولمهنيته الفائقة في إدارة الحراك من وراء حجاب من السرية مثلما أصبحت الحكومة وأجهزتها الأمنية مثارا لتندر الناس لعجزها البائن عن الوصول لقادة تجمع المهنيين. أضف إلى ذلك أن المظلة السياسية قد توسعت من خلال إعلان الحرية والتغيير الذي ضم الأحزاب السياسية المعارضة جنبا إلى جنب مع تجمع المهنيين.
اليوم تدخل الثورة السودانية شهرها الثالث بينما يشهد الشارع تظاهرات تختلف من حيث الكم والكيف إلا أن الإستمرارية طوال ساعات النهار والمساء وحتى منتصف الليل جعلت البلد في حالة من الشلل الكامل هذا إضافة للإستنزاف الحاد للأجهزة الأمنية التي بات الإرهاق والعصبية سمتها البائنة علما بأن عائدات الصادرات قد إقتربت من الصفر طوال الشهرين الماضيين مما ينبئ بكارثة إقتصادية وشيكة تزيد من أزمة النظام.

• وما مآل هذه الأحداث؟
في البدء حاول النظام ضرب الحراك في مهده بعنف مفرط كما أطلق ماكينته الإعلامية الجبارة لتصوير أن قادة الحراك هم عملاء للموساد ومخربين ومندسين وقد إستصحب في ذلك خبرته في إجهاض إنتفاضة 2013 إلا أن صمود المتظاهرين ودقة تنظيمهم في هذه المرة قد أسقط هذا الخيار. بعدها لجأ النظام لإستمالة الشباب بوعود الإصلاح وفتح فرص العمل إلا أن هذا الخطاب ووجه بالسخرية المحضة. الآن يمكننا القول أن النظام يسير نحو الإنهيار بسيناريوهات متعددة ما لم يحاول الوصول لتسويات سياسية.

• ما مدى مخاطر عسكرة النظام؟
خيار النظام الأول هو مزيد من الهروب للأمام بعنف مفرط على طريقة الأرض المحروقة مقتدياً بالتجربة السورية. إلا أن التململ الحادث في الجيش إضافة للتداخلات الأقليمية قد تجعل من هذا الخيار شبه مستحيل.
الخيار الثاني هو الوصول لتسويات تضمن تغييرات قد تشمل عدم ترشح البشير في إنتخابات 2020 مع إستمراره في الحكم حتى ذلك التاريخ وهو خيار يحفظ للرئيس ولحزبه شيئا من ماء الوجه. وهذا الخيار مرفوض تماماً من قبل قوى المعارضة.
الخيار الثالث هو مبادرة البشير بالتنحي وقيام حكومة قومية مع وجود الحزب الحاكم في التشكيلة الإنتقالية وهذا الخيار يوصي به بعض أعضاء الحزب الحاكم كمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. خيار قوى الحرية والتغيير يتجاوز تنحي البشير إلى إزاحة النظام الحالي برمته وإعادة هيكلة الدولة السودانية بما يحقق الشعار الثلاثي الذي ترفعه (حرية – سلام – عدالة). يبقى القول أن حراك 1964 و1985 قد حسم في الحالتين بإنحياز المؤسسة العسكرية للشعب مما سهل إنتقال السلطة فهل يفعلها الجيش للمرة الثالثة؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام برغم تخوفات القوى السياسية التي رسخ في ذهنها أن ما حدث وقتها كان سرقة ناعمة للسلطة وتسليمها على طبق من ذهب للقوى التقليدية مما أدى لإجهاض أي حلم في بناء دولة حديثة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا