تصعيد خطير في الأزمة بين فرنسا و إيطاليا: باريس تستدعي سفيرها في روما إثر تهجم نائب رئيس الوزراء الإيطالي

شهدت العلاقات المتأزمة منذ مدة بين فرنسا و إيطاليا تطورا خطيرا يوم الثلاثاء 5 فيفري بعد أن التقى لويدجي دي مايو، زعيم

حركة 5 نجوم الإيطالية و نائب رئيس الحكومة، زعماء «السترات الصفراء» المتطرفين الذين شكلوا قائمة انتخابية للمشاركة في الانتخابات الأوروبية لشهر ماي القادم. و تهجم دي مايو على إثر اللقاء في تدوينة اعتبر فيها أن «رياح التغيير تعبر جبال الآلب. أكرر، رياح التغيير تعبر جبال الألب».

هذه العبارة ، بأسلوبها التقليدي المستعمل في إعلانات المقاومة زمن الحرب العالمية، فهمت في باريس كإعلان حرب على الدولة الفرنسية. والتحق وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لو دريان، مباشرة بعد حلوله بباريس راجعا من واشنطن أين شارك في اللقاء الدولي ضد داعش، بالقصر الرئاسي أين اتخذ قرار التصعيد الدبلوماسي تجاه إيطاليا باستدعاء السفير من روما «للتشاور». وحمل بلاغ وزارة الخارجية لهجة صارمة غير معهودة منددا بـ«الاتهامات المتكررة» و«التهجمات بدون موجب» و«التصريحات المشينة». واعتبر أن الوضع «غير مسبوق منذ نهاية الحرب» ملمحا لاستدعاء السفير الفرنسي بروما عام 1940 بعد إعلان إيطاليا الحرب على فرنسا و التحاقها بالمحور النازي.
و اعتبرت أنياس فون در موهل الناطقة الرسمية بوزارة الخارجية التي وقعت الإعلان أن «التدخلات الأخيرة تعتبر استفزازا إضافيا غير مقبول. وهي تعتدي على احترام الإختيار الديمقراطي الذي يقوم به شعب صديق و حليف. وهي تعتدي على الإحترام المفروض بين حكومات منتخبة ديمقراطيا و بكل حرية». عبارات مختارة من قبل الدبلوماسية الفرنسية تدل على عمق الأزمة بين الطرفين والتي تدهورت مع بلوغ اليمين المتطرف و اليمين الشعبوي سدة الحكم في إيطاليا. و كأن الحكومة الفرنسية تذكر الحكومة الإيطالية بتاريخها الفاشي الذي لم يحترم الحرية و الديمقراطية في عهد موسوليني.

لماذا الرد الآن؟
الأزمة مستفحلة بين الطرفين منذ الصيف الماضي بعد قرار ماتيو سالفيني منع دخول زوارق الإغاثة المواني الإيطالية و تسهيل عبور المهاجرين للتراب الفرنسي مما أجبر الحرس الحدودي الفرنسي على صد تحركات المهاجرين و إرجاعهم قسرا إلى إيطاليا. وهو ما اعتبره الملاحظون سياسة لي الذراع من قبل الطرف الإيطالي. و تعددت الإستفزازات من قبل سالفيني و دي مايو مما جعل فرنسا تستدعي السفيرة الإيطالية بباريس تريزا كاستالدو للمساءلة يوم 21 جانفي إثر تعدد التصريحات من زعيمي اليمين المتطرف و الشعبوي ماتيو سالفيني و لويدجي دي مايو اللذان كررا الإنتقادات ضد إيمانويل ماكرون و اعتبرا أن السياسة الفرنسية في افريقيا «استعمارية» وأنها سبب الهجرة عبر المتوسط.و نادى دي مايو السترات الصفراء بالصمود و اعتبر سالفيني أن «الرئيس ماكرون أتعس رئيس» عرفته فرنسا.

واختارت السلطات الفرنسية، حسب مصدر دبلوماسي، «عدم الرد على الاستفزازات الإيطالية» بالرغم من مساسها برئيس الدولة ، وذلك حفاظا عل العلاقات بين دولتين أسستا الإتحاد الأوروبي. لكن هذه المرة اعتبرت فرنسا أن لقاء نائب رئيس الحكومة، بدون علم وزير خارجية إيطاليا، مع كريستوف شالونسون، أحد قادة «السترات الصفراء» المعروف بتصريحاته «الانقلابية» ، وهو الذي بشر بـ«الحرب الأهلية» في فرنسا وطالب في شهر ديسمبر الماضي بقلب نظام الحكم و تعيين الجنرال بيار دي فيليي، رئيس أركان الجيش السابق، على رأس الدولة، أمر غير مقبول يمس بالشؤون الداخلية لفرنسا.

الطلاق الكاثوليكي المستحيل
بوادر «الطلاق» بين فرنسا وإيطاليا متعددة و ذلك منذ سنين مع استفحال الأزمات بخصوص تعطيل الجانب الإيطالي لخط القطار السريع «تي جي في» الذي يتم تشييده بين مدينة ليون و مدينة ميلانو بعد اتفاق موقع بين البلدين. و قامت الحكومة الإيطالية الحالية عام 2018 بالتخلي عن المحادثات في خصوص «اتفاق الكويرينالي» الذي من شأنه تقنين العلاقات بين البلدين على غرار اتفاق الإيليزي لعام 1963 بين فرنسا وألمانيا. كذلك الشأن بالنسبة للقمة السنوية الفرنسية الإيطالية التي لم تنعقد عام 2018 بسبب الخلافات الحادة بين البلدين في الملف الليبي و في العلاقات الأوروبية . و قررت مؤخرا الحكومة الإيطالية عدم اقراض فرنسا مجموعة من أعمال ليوناردو دا فينشي بمناسبة احتفال متحف اللوفر بمرور 500 سنة على وفاته المبرمج في أكتوبر القادم.

وتعتبر الحكومة الإيطالية أن فرنسا تستخدم نفوذها في المفوضية الأوروبية، عبر المفوض بيار موسكوفيسي، لمعارضة السياسات التي تدعمها حركة 5 نجوم و رابطة الشمال المتطرفة. وهو ما جعل سالفيني يطالب، في وضع هجومي، فرنسا بتسليم المتهمين الإيطاليين اليساريين الموجودين في فرنسا حسب «عقيدة ميتران» الداعمة للحركات اليسارية. كل هذه الخلافات العالقة تضاف للموقف الصريح للرئيس ماكرون الداعي إلى مقاومة اليمين المتطرف في أوروبا واعتباره خطرا على وحدة أوروبا.

وعبرت الصحافة الإيطالية عن مخاوف وزارة الخارجية الإيطالية من استفحال الأزمة مع فرنسا خاصة أنها ثاني اقتصاد يتعامل مع إيطاليا. وتخشى الدبلوماسية الإيطالية من استعمال باريس «عقوبات اقتصادية» ضد روما تزيد من حدة الركود الإقتصادي الذي دخلت فيه إيطاليا منذ 6 أشهر. و إن عبر ماتيو سالفيني نائب الحكومة الثاني في بلاغ رسمي ، وفي خطوة يائسة لخطف الأنظار من دي مايو، عن استعداده لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل «طي الصفحة» قائلا:»لا أريد صداما مع أي كان، الجدال لا يعنيني». لكنه أضاف أنه على فرنسا العدول عن غلق حدودها أما المهاجرين و احتضانها «الإرهابيين» الإيطاليين.

كل هذه التصريحات لن تعين على تغيير الوضع المتأزم و الذي يمكن أن يتحول، حسب الدبلوماسية الإيطالية، إلى «تجميد للعلاقات» مضر بالاقتصاد الإيطالي. أما فرنسا فقد أشارت في بلاغ استدعاء سفيرها أن «كل هذه الأعمال خلقت وضعية خطيرة تجعلنا نتساءل عن نية الحكومة الإيطالية في خصوص العلاقة مع فرنسا». وهو ما يرمي الكرة في الملعب الإيطالي مما جعل الرئيس سرجيو ماتاريلا، الذي يعمل على الحفاظ على علاقات الصداقة بين البلدين في صلب الإتحاد الأوروبي، يعمل على تسليط ضغوطات على الحكومة كي تغير من موقفها للحفاظ على مصالح إيطاليا، خاصة أن إمكانية الطلاق مع فرنسا تكاد تكون مستحيلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499