أوروبا تتهيأ لخروج بريطانيا من الاتحاد «بدون اتفاق»: رجعت تريزا ماي من قمة بروكسل بخفي حنين

انتهت القمة الأوروبية البريطانية ليلة الأربعاء الماضي ببروكسل بدون أي تقدم في موضوع المفاوضات

حول الطلاق بين الجانبين. أيام قبل انعقاد قمة بروكسل اعلن كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنيي عن إيقاف المفاوضات مع الجانب البريطاني بسبب عدم التوصل إلى تقدم في الموقف البريطاني المتصلب في مسألة الحدود بين أيرلندا الشمالية و جمهورية أيرلندا.

في قمة بروكسل لم تحصل الوزيرة الأولى البريطانية على أية موافقة على مشروعها التي كانت تقدمت به في قمة سالزبورغ. بل بالرغم من تأكيد المستشارة الألمانية أن تقدما بنسبة 90 % سجل في المفاوضات، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اتخذ موقفا حازما تجاه المقترح البريطاني، أنه «على الوزيرة الأولى البريطانية الرجوع بحلول» و أنه «ليس من مشمولات الإتحاد الأوروبي القيام بتنازلات لإيجاد حلول لقضية سياسية بريطانية داخلية». و رجعت إثر ذلك تريزا ماي بدون أي وعد إلى لندن دون أن تشارك في مأدبة العشاء مع نظرائها الأوروبيين الذين اختاروا هذه المناسبة لنقاش موقفهم الموحد تجاه بريطانيا.

مأزق سياسي
سبب المأزق السياسي بين أوروبا و بريطانيا يرجع إلى القضية الأيرلندية حيث يتمسك الأوروبيون بعدم إرجاع الحدود المادية بين أيرلندا الشمالية (التابعة لبريطانيا) و جمهورية أيرلندا (المنضوية في الإتحاد) التي نزعت على اثر اتفاق السلام بين الأيرلنديتين عام 1998. وهو، في صورة قبل الموقف الأوروبي، ما ينقل الحدود بين أوروبا و بريطانيا إلى السواحل البريطانية. موقف لا يمكن لتريزا ماي أن تقبله لأنه يعني، بالنسبة لها و للرأي العام البريطاني،المس بوحدة تراب المملكة المتحدة و تقسيم أراضيها و اعتبار أيرلندا موحدة فعليا تحت راية الجمهورية الأيرلندية.

تريزا ماي ، التي تشكو من انتقادات و معارضات داخلية شملت حزبها، ليس لها مساحة تحرك كبيرة خاصة أن استقرار حكومتها يكمن في مساندة حزب الوحدويين الذي يمثل البروتستانت في أيرلندا الشمالية و الذي يرفض قطعا الاندماج مع جمهورية أيرلندا الكاثوليكية. شبح رجوع الحرب الأهلية يشكل بالنسبة لتريزا ماي خطا أحمر لم تتمكن من اجتيازه إلى حد الآن. وهو ما يرجح عدم التوصل إلى حل لهذه القضية باعتبار المواقف الشرسة لبعض النواب تجاه تمشي تريزا ماي ورغبتها التوصل إلى اتفاق على حساب المصالح السياسية لبريطانية.

شبح الخروج بدون اتفاق
أرجأت قمة بروكسل الحسم في اتفاق الطلاق مع بريطانيا للتقرير الذي سوف يقدمه كبير المفاوضين على ألا تعقد قمة أخرى كانت مبرمجة لشهر نوفمبر، كما ورد سابقا في كلام رئيس المجلس دونالد توسك. وهو ضغط إضافي يسلط على تريزا ماي التي حاولت في مناسبتين، في قمتي سالزبورغ و بروكسل، تمرير مقترحها بدون جدوى. لكن رئيس المفوضية أشار إلى إمكانية التمديد في الفترة الانتقالية إلى ما بعد 2020. وهو مقترح لا يحل المشكلة إذا ما تمسكت الوزيرة الأولى بموقفها الرافض للحل الأوروبي الذي ينبني على مبدإ تبادل التنازلات.

في نفس الوقت الذي أعلنت فيه بعض مؤسسات الدولة البريطانية خطورة الخروج من الإتحاد بدون اتفاق و عددت المشاكل الناجمة عن ذلك و المتعلقة بشلل الحركة الاقتصادية بين الجانبين و صعوبة تخطي سلبيات مواجهة غلق الحدود أمام التنقل الحر للأشخاص و الأموال و البضائع أكد ميشال بارنيي إمكانية التوصل إلى حل إذا توفرت الظروف السياسية في بريطانيا. و أضاف أن الإتحاد يعمل جاهدا على تحضير مخطط واسع لتقبل خروج بريطانيا من الإتحاد بدون اتفاق.

في هذه الظروف الصعبة بالنسبة لتريزا ماي، تعالت الأصوات في لندن من داخل حزب المحافظين للعمل على إفشال مخططات الوزيرة الأولى. و أعلن صادق خان عمدة لندن، والمنتمي لحزب العماليين المعارض، على مساندته فكرة تنظيم استفتاء ثان حول مشروع الخروج من الإتحاد وهو المقترح الذي يلاقي مساندة من شرائح سياسية واسعة في جل الأحزاب البريطانية. لكن تريزا ماي لم تقبله على حد اليوم. الأيام القادمة سوف ترى استئناف المفاوضات على مستوى فريقي التفاوض للبحث مجددا في صيغة ترضي الأوروبيين و لا تمس من قدرة تريزا ماي على الصمود أمام منتقديها و الحفاظ على استقرار حكومتها. وهي، في نظر جل المحللين في بريطانيا، المعادلة المستحيلة التي تواجه تريزا ماي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية