فلاديمير بوتين يعزز إستراتيجيته في الشرق الأوسط: «دونالد ترامب» و«فرنسوا فيون» حليفا الغد؟

لم يتوقع أحد أن تتغير ملامح التوازنات العالمية بهذه السرعة بعد انتخاب دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية و نجاح فرانسوا فيون في الدورة الأولى للانتخابات التمهيدية الفرنسية لرئاسية 2017. فكلا الزعيمين الأمريكي و الفرنسي أعربا عن نيتهما فتح صفحة جديدة

مع روسيا و رئيسها فلاديمير بوتين وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إعادة صياغة التوازنات في الشرق الأوسط والعالم العربي بعد خمس سنوات من التقلبات والحروب المتأتية عن اندلاع الربيع العربي.

استراتيجية بوتين في مقاومة ارهاب الجماعات التكفيرية ليست جديدة. بل هي نابعة من زمن تواجده على رأس المخابرات السوفياتية، الكا جي بي، زمن الحرب الأولى في أفغانستان عندما قادت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية «الجهاد» ضد الإتحاد السوفياتي عن طريق تنظيم القاعدة . ثم أتى دور مقاطعة الشيشان حيث تمكنت القاعدة من زرع الفتنة باسم مقاومة الشيوعية. لكن بوتين ، الذي تولى رئاسة روسيا الاتحادية، تمكن من القضاء على التنظيمات الإسلامية في الشيشان.

وها هو، مرة أخرى أمام تفشي ظاهرة الإرهاب، يدفع بالجيش الروسي الى المشاركة في الحرب ضد الإرهاب الإسلامي الذي تدعمه نفس القوى في سوريا. لكن في هذه المرة دخلت روسيا هذه الحرب في تحالف مباشر مع إيران والعراق الشيعي وسوريا، وبتسامح إيجابي من قبل الصين. وهو ما جعل ميزان القوى يتغير على الأرض لصالح النظام السوري الذي أعلن في الأسابيع الأولى من انتفاضة السوريين عام 2011 أن حركة الثوار مخترقة من قبل تنظيم القاعدة وركز جهوده بعد ذلك على مقاومة الإخطبوط الجهادي المنظم.

التقارب الروسي التركي
نجاح إستراتيجية فلاديمير بوتين في سوريا أربكت الحلف الأطلسي الذي «استخدم» تركيا للزج بالمنطقة في أزمة حادة عندما اسقط الدفاع التركي الطائرة الروسية في أجواء سوريا. لكن بوتين تمكن، عبر استعمال التضييقات الاقتصادية ضد أنقرة، من تغيير الموقف التركي. الرئيس أردوغان، الذي يراهن على إحياء المشروع العثماني، سارع في إعادة العلاقات مع بوتين بعد أن تيقن أن الحلف الأطلسي يدعم القوى الكردية في مقاومة النظام السوري و»داعش» في العراق وهو ما يشكل خطرا على وحدة تركيا.
انضمام أردوغان إلى مشروع بوتين في مقاومة داعش الارهابي على الأرض مكنه من الحصول على «ترخيص» من موسكو لدخول الجيش التركي للأراضي السورية لفرض منطقة عازلة مع الأكراد السوريين وقصف قوات حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا. وهكذا يفلح بوتين في الحصول على «تفهم» من أحد الزعماء الأساسيين للحلف الأطلسي في المنطقة الذي غير سياسته الداعمة لتنظيم «داعش» مقابل تركيز نفوذه في تركيا خاصة بعد محاولة الانقلاب في أنقرة التي ندد بها بوتين.

ترامب المفاجأة
انتخاب دونالد ترامب جاء ليطرح تغييرا شاملا في مقاربة الحرب على الإرهاب و فرض نظام سلمي جديد في منطقة الشرق الأوسط. إعلانه التقارب مع روسيا للدخول معها في حلف ضد الإرهاب الإسلامي و دعم النظام السوري في حربه ضد داعش سوف يغير تماما الإستراتيجية الأمريكية المتبعة من قبل الإدارة الأمريكية منذ 8 سنوات والتي ارتكزت على دعم الحليف السعودي وشركائه في الخليج العربي مع تسهيل صعود الإسلاميين لسدة الحكم في بعض الدول العربية.
تغيير السياسة الأمريكية في المنطقة يتزامن مع نداء ترامب إلى إعادة النظر في إستراتيجية الحلف الأطلسي وتمويله وكذلك في دعم بعض دول المنطقة العربية بدون مقابل مالي. هذه العقيدة الدبلوماسية الجديدة، ولو أنها في مرحلة أولى من الصياغة، سوف تفتح الباب على تغييرات عميقة في المنطقة العربية خاصة بعد أن التحقت مصر بروسيا ودعمت موقفها في مجلس الأمن مما أغضب الحليف السعودي الذي قرر إيقاف بيع النفط لمصر منذ ثلاثة أشهر معاقبة للرئيس السيسي لعدم التزامه بإستراتيجية السعودية في المنطقة، والتي سبق أن قدمت له الدعم للإطاحة بنظام الإخوان المسلمين.

تغيرات في أوروبا
تقدم فرنسوا فيون في الانتخابات التمهيدية لليمين في فرنسا يجعل منه المرشح الأهم للفوز برئاسية عام 2017. وقد أعلن المرشح الفرنسي نيته الواضحة في إعادة العلاقة مع روسيا و الرئيس بوتين. فيون معروف كأحد أصدقاء زعيم الكريملين و قد لاقاه 15 مرة عندما كان الوزير الأول في حكومة ساركوزي. وأعرب كذلك عن نيته دعم النظام السوري خلافا لسياسة الحكومة الفرنسية الحالية التي جعلت من الإطاحة ببشار الأسد عنصرا أساسيا في حل الأزمة في سوريا متماشية في ذلك مع الموقف السعودي.
بالتغيير الواضح في الولايات المتحدة و في فرنسا يصبح لبوتين سندان جديدان يغيران من موقف الغرب وخاصة في جانبه الأوروبي التابع للموقف الأمريكي. و بدت هذه التغييرات تتجذر في محيط الإتحاد الأوروبي مع انتخاب إيغور دودن كرئيس لجمهورية مولدا فيا وهو معروف بمواقفه المساندة لروسيا. أما في صلب الإتحاد الأوروبي فتغيير الحكم في بلغاريا مؤخرا يذهب في نفس الاتجاه. فقد انتخب رومان راديف بدعم من الحزب الإشتراكي البلغاري رئيسا جديدا لبلغاريا. وهو من المدافعين على السياسات الروسية. انتخاب راديف هو في الحقيقة انتصار لبوتين لأن نظام الإتحاد الأوروبي يمنح للدول حق الفيتو في كل القرارات التي تهم الدول الأعضاء مما يمكن الرئيس البلغاري من حماية المصالح الروسية ضد أي قرار أوروبي عدائي. ويصبح بوتين هكذا طرفا فاعلا في الإتحاد الأوروبي بدون أن يكون عضوا فيه.

في هذا الوقت، وحتى يصعد ترامب إلى البيت الأبيض يوم 20 جانفي المقبل، أصبح أمام فلاديمير بوتين متسع من الوقت لتقديم بيادقه في المنطقة. أول الخطوات كانت دخول السلاح الجوي مجددا في قصف مواقع الجماعات الإسلامية في ريف إدلب وحلب والتحضير الفعلي على الميدان مع القوات الإيرانية لاسترجاع مدينة الرقة و قطع الطريق أمام القوى المعادية لنظام بشار الأسد. بيادق عديدة أصبحت في يد بوتين ، زعيم دولة أفرزت نجوما عالميين في لعبة الشطرنج.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا