ليبيا ليست الصومال .. و لا أفغانستان

رغم أوجه الشبه العديدة بين الحالة الليبية وبين ما تعيشه كل من أفغانستان والصومال من فوضى ومن تفكك للدولة وعدم قدرة السلطة المركزية في كل من كابول وموقديشو على بسط نفوذهما على كامل الإقليمين الأفغاني والصومالي ، إلا أنه يمكن الجزم بأن ليبيا ليست أفغانستان

ولا الصومال مثلما يروّج البعض لذلك ولديها عديد المميزات والخصائص التي تجعل عديد الخبراء الإستراتيجيين يؤكدون قدرة بلد عمر المختار على الخروج من هذا المأزق الذي يعيشه والإنطلاق مجددا من تحت الرماد كطائر الفينيق.
فالجغرافيا تصب في مصلحة ليبيا وكذا الثروات الطبيعية الهائلة التي لا يمكن أن تكون إلا عامل استقرار. كما أن القوى الكبرى وتحديدا بلدان الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية قد تدفع مستقبلا باتجاه الحل خدمة لمصالحها، وكذلك الشأن بالنسبة لدول الجوار.
كما أن تاريخ الحروب الأهلية يثبت أن دوام الحال من المحال، وأن الشعوب مهما طال أمد اقتتالها الأهلي لا بد لها في النهاية من أن تدرك أنه لا مفر لها من التفاهم وإيجاد الصيغ الملائمة للعيش المشترك في كنف الأمن والسلم. حصل هذا في لبنان و في رواندا و كمبوديا و في منطقة البلقان و في أماكن عديدة من العالم تشهد اليوم استقرارا، وإن كان هشا في بعضها.

تقع ليبيا في قلب «العالم القديم» مطلة على البحر الأبيض المتوسط، مهد الحضارات الإنسانية والذي نشأت على ضفافه شمالا وجنوبا مجتمعات أثرت في حركة التاريخ وفي مسيرة التطور الإنساني وتفاعلت مع بعضها البعض ، وهي أيضا، وعلى غرار باقي البلدان المغاربية، على مرمى البصر من الإتحاد الأوروبي، الذي توسع جنوبا ليصل إلى الجزء اليوناني من قبرص وإلى جزيرة مالطا التي تكاد تلامس السواحل الإفريقية الشمالية. فبلد عمر المختار ليس دولة نائية ومنسية في أقاصي الأرض أو في قلب سدم ومجرات تبعد ملايين السنوات الضوئية حتى يتخلى عنها المجتمع الدولي ويتجاهل أزمته ويتركها فريسة للجماعات المتناحرة لفترة ممتدة في الزمن، على غرار ما حصل في الصومال وأفغانستان، بل هي حجر زاوية في الأمن الإقليمي المتوسطي والمغاربي والعربي وفي ما يتعلق أيضا بأمن دول منطقة الساحل والصحراء.

ويشار إلى أن الإغريق استوطنوا ليبيا منذ عصور ما قبل ميلاد المسيح وأثرت ثقافتهم كثيرا في سكان القطر شأنهم شأن القرطاجيين الذين امتد نفوذهم في عصر ما، من مضيق جبل طارق غربا إلى خليج سرت شرقا. وفي هذا الإطار يؤكد الأديب و المؤرخ والسياسي التونسي الحبيب بولعراس على أن مسؤولية قرطاج شملت مناطق قصية عن خليج تونس فهي قد امتدت إلى ليكسوس و موقادور بالمغرب وإلى رشقون والمستوطنات التي أحدثتها قرطاج ذاتها في تيبازا و مرسى مردخ بالجزائر وإلى قادش وباريا وأبدرا و سكسي و ملكه بإسبانيا وإلى إيبيزا بجزر الباليار، وإلى نورا و تاروس و سولكيس و كالياري والمستوطنة القرطاجية في مونتي سيراي بسردينيا، وإلى ليليبي و صولونت والمدينتين القرطاجيتين بانورما و سلينونت بصقلية وإلى مالطة الجزيرة ومحيطها، كل ذلك إضافة إلى المستوطنات الواقعة على الساحل التونسي حضرموت ولبتيس (لبدة) وحتى خليج سرت في ليبيا .

واعتمدت قرطاج ذات الأصول الفينيقية كثيرا في حروبها و ملاحمها الكبرى، مع الإغريق و الرومان وحلفائهما في الحوض المتوسطي، على الفرسان والجنود من القبائل الأمازيغية في المحيط على غرار تلك التي استوطنت الأراضي الواقعة اليوم في حدود ليبيا. وكان دور هؤلاء بارزا في معركة كاناي الشهيرة التي حقق خلالها القائد القرطاجي حنبعل نصرا ساحقا على الجيوش الرومانية في عقر دارها رغم قلة العدد والعتاد الذي كان بحوزته .

كما خضعت ليبيا للإمبراطورية الرومانية بعد سقوط قرطاج شأنها شأن بلدان الحوض المتوسطي ونهلت من حضارتها ومن مدنيتها و قوانينها و تنظيمها الإداري وهندستها المعمارية اللافتة. وشارك أهلها في الحكم حتى أنجبت مدينة لبدة الإمبراطور الشهير سيبتموس سيفيروس وهو الإمبراطور الروماني الحادي والعشرون الذي تقلد الحكم في روما بعد وفاة الامبراطور برتيناكس.

فليبيا عريقة في الحضارة المتوسطية ضاربة جذورها في أعماقها، وتتوسط «أمتين» عريقتين إن صح التعبير، هما تونس ومصر، اللتين يعود وجود الدولة فيهما إلى عهد القرطاجيين والفراعنة، وفيهما نخب طلائعية ومنظمات وأحزاب عريقة، وعرفت كلاهما حركات إصلاحية منذ نهاية القرن الثامن عشر وأنجبتا مفكرين ومصلحين على غرار رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد بن أبي الضياف وقاسم أمين والطاهر الحداد وخير الدين التونسي ومحمد عبده وغيرهم. والليبيون منفتحون على محيطهم وغير منغلقين ويتفاعلون كثيرا، ومن خلال نخبهم، مع ما يحصل في الجارتين ويتواصلون مع المفكرين والسياسيين والمثقفين في القاهرة و تونس ويتأثرون ويؤثرون.

وتتوفر ليبيا على ثروة نفطية ضخمة تساعد على إعادة الإعمار وإن طال أمد الفوضى، شأنها شأن الجزائر والعراق، ومساحة شاسعة تضاريسها متنوعة يقطنها عدد محدود من السكان متجانسين مذهبيا باعتبارهم سنة مالكيين ضارب موروثهم الصوفي في القدم على غرار السواد الأعظم من سكان البلاد المغاربية . وتساهم هذه المعطيات وفق عديد الخبراء في إيجاد الإستقرار و تحقيق التنمية دون الحاجة إلى الإستثمارات الأجنبية، وهي لا تتوفر مثلا في الحالتين الصومالية والأفغانية حيث الفقر المدقع وغياب التنمية وتدهور الخدمات وانعدام الثروات.

فالديمقراطية مرتبطة أشد الإرتباط بالتنمية ومتلازمة معها، ولا يمكن لها ان تنجح وتتطور وتراكم وتستمر دون أن تساهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. وكم من ديمقراطية كان مآلها التراجع والإندثار والفناء أو الإنكفاء، إما بانقلاب عسكري، أو بهبّة شعبية أتت على الأخضر واليابس وسحقت كل المنجزات.

وتثير هذه الثروات التي ترقد عليها ليبيا شهية القوى العظمى و قد تدفع بها يوما باتجاه ترسيخ الإستقرار والسلم الأهلي في ليبيا وتكريس الديمقراطية لإدارة الخلاف بين القوى المتناحرة. فلا يمكن الإستثمار في القطاع الطاقي من قبل هذه القوى دون استقرار سياسي وضمان لعملية التداول السلمي على السلطة من خلال صناديق الإقتراع في ظل عدم الرغبة في عودة الديكتاتورية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا