أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإيطاليا حول موجات الهجرة: تداخل السياسة والعمل الإنساني يعيق حل مشاكل الإغاثة في المتوسط

قررت الحكومة الفرنسية السماح لباخرة «أوشيان فايكينغ» للإغاثة الإنسانية بدخول ميناء تولون الفرنسي يوم 12 نوفمبر حيث استقبلت السلطات المعنية بالهجرة

واللجوء 234 مهاجرا تم انقاذهم في البحر الأبيض المتوسط. وكانت إيطاليا قد رفضت استقبال الباخرة الإنسانية والتي قدمت لها 43 طلبا لدخول أحد الموانئ الإيطالية.
وقال وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درمانان إن الخطوة «استثنائية» وهي تتماشى مع احترام المبادئ الإنسانية والقوانين الدولية في حين اعتبر موقف الحكومة الإيطالية «غير انساني» و«غير مسؤول» و«غير مقبول». وحذر من «تداعيات هذا الموقف الوخيمة على العلاقات الثنائية وعلاقات أوروبا مع إيطاليا». وردت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على تصريح درمانان معتبرة إياه «عنيفا» و«غير مفهوم» و»لا مبرر له». مما أشعل فتيل أزمة بين باريس وروما على خلفية تكرار الموقف الإيطالي المتطرف بعد أزمة 2018 التي فجرها ماتيو سالفيني، زعيم حزب الرابطة المتطرف ووزير الداخلية آنذاك، بقراره غلق الموانئ الإيطالية أمام بواخر الإغاثة في المتوسط.
في نفس الوقت الذي تدخل فيه العاصمتان مرحلة شد اليد، قررت روما السماح لثلاث سفن بدخول ميناء كتانيا في صقلية بعد أن توفي على متن أحد البواخر رضيع افريقي قادم من تونس عاني من مرض في الرئتين جراء طول مدة التفاوض مع السلطات الإيطالية مما أحدث جدلا واسعا في الصحافة الإيطالية أجبر جورجيا ميلوني على التراجع عن موقفها المتطرف خاصة بعد أن التحقت ألمانيا بفرنسا للتنديد بالموقف الإيطالي.
أزمة دبلوماسية
تواجه جورجيا ميلوني أول أزمة حادة أقل من شهر بعد تعيينها على راس الحكومة وتتعلق بالمبادئ التي طالما اعتمدتها لهيكلة خطابها السياسي الرافض للهجرة واللجوء والمعادي للأجانب. وفي هذه المرة دخلت الأزمة في مرحلة حادة مع قرار وزير الداخلية الفرنسي ابطال برنامج استقبال 3500 مهاجر كان من المفروض استقبالهم من قبل فرنسا في إطار اقتسام عبء موجات الهجرة المقرر حسب اتفاق جوان 2022 الذي اعتمدته بروكسل خلال الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي.
وقد تحرك بعض أعضاء الحكومة الفرنسية، مثل أوليفييه فيران الناطق الرسمي باسم الحكومة وبرونو لمار وزير الاقتصاد والمالية للتنديد بالموقف الإيطالي وذلك على خلفية مقاومة المد المتطرف في أوروبا، عملت باريس على كسب دعم برلين وعواصم أوروبية أخرى للمشاركة في استقبال المهاجرين الراسين في ميناء تولون. وتقرر أن تقتسم فرنسا وألمانيا ثلثي القادمين على أن يوزع باقي المهاجرين على لوكسمبورغ وبلغاريا وليتوانيا والبرتغال وكرواتيا وبلغاريا ورومانيا ومالطا وأيرلندا وفنلندا والنرويج، موضحة بذلك تماسك الإتحاد الأوروبي خلافا للموقف الأحادي للحكومة الإيطالية. في نفس الوقت تحركت روما لنقل المسألة نحو بروكسل من أجل التوصل إلى حل يساعدها على عدم الانفراد باستقبال المهاجرين الذي فاق عددهم 90 ألف هذه السنة.
نداء 4 بلدان أوروبية
ورفعت في نفس يوم السبت 12 نوفمبر أربع بلدان أوروبية متوسطية (إيطاليا ومالطا واليونان وقبرص) نداء إلى المفوضية الأوروبية ببروكسل مطالبة بفتح «حوار عاجل وضروري» بين الدول الأعضاء «حول كيفية تحسين التعاون حول العمليات في البحر الأبيض المتوسط». وتعتبر هذه الدول التي هي في صف البلدان المستقبلة لموجات الهجرة على الحدود الأوروبية المشتركة أنها «تتحمل عبء إدارة موجات الهجرة المتوسطية بصورة غير متكافئة».
وذكر النداء الموقع من قبل وزراء الداخلية بالالتزام ب»آلية التضامن الإرادي» التي تعطي الدول إمكانية استقبال أكثر من 10 آلاف مهاجر خلال السنة الأولى بعد اعتماد الألية والتي لم تعط ثمارها إلى حد اليوم. واعتبر النداء أن الألية الحالية بطيئة ولا تمكن من استقبال أعداد كبيرة. لذلك كررت البلدان المعنية ومن ضمنها اسبانيا مرارا المطالبة بتعديل الاتفاق حتى يصبح ملزما لكل الدول الأعضاء. كما طالب الموقعون بمشاركة بلدان أخرى في استقبال البواخر الإنسانية خاصة وأنها تمتلك موانئ قادرة على استقبالها، وذلك في إشارة إلى فرنسا واسبانيا والبرتغال وأيرلندا والبلدان الواقعة عل بحر الشمال والبلدان الإسكندنافية التي جميعها لها حدود أوروبية بحرية مشتركة. لكن هذا الطلب يعارض اتفاقية دبلين التي أقرت مبدأ استقبال وإدارة المهاجرين من قبل البلد المضيف. ويحتم تغيير ذلك موافقة 27 دولة بدون معارضة لتنقيح الاتفاق وهو أمر غير وارد حاليا.
واقع الهجرة نحو أوروبا
وقد اعتبر الخبراء الأوروبيون في مجال الهجرة أن البلدان الأوروبية استقبلت في السنوات الأخيرة موجات مختلفة الحدة. وذكرت بعض التقارير الأوروبية أن إيطاليا استقبلت 67 ألف مهاجر عبر البحر عام 2021 في حين لم يصل العدد 50 ألف هذه السنة. أما فرنسا فقد استقبلت 100 ألف مهاجر وألمانيا 160 ألف. وهو ما يفسر استغراب برلين وباريس من الموقف الإيطالي المبني، حسب دبلوماسيين أوروبيين، على مواقف إيديولوجية لا علاقة لها بواقع الهجرة في المنطقة. يبقى أن الحكومة الإيطالية التي تقودها وزيرة أولى نابعة من الحركة الفاشية لا تلقي على المسألة نفس النظرة. بل هي جعلت من مسألة الهجرة واللجوء حصان طروادة الذي مكنها من الوصول إلى سدة الحكم. وهو أمر لن يتغير بسهولة بسبب بناء هيكلة الحكومة الحالية على أساس تلك المبادئ المتطرفة التي يقتسمها حزب الرابطة وحزب «فراتلي دي إيطاليا» الحاكمين.
الجانب الآخر الذي يعطي لمسألة الإغاثة بعدا أوروبيا مشاركة الجمعيات والمؤسسات الخاصة النابعة من المجتمع المدني الأوروبي والتي لا تلتزم بالمبادئ السياسية الحكومية، بل هي تعمل وفق القوانين الدولية المنظمة للعمل الإنساني. لذلك نرى في كل أزمة بروز أسماء مثل «أس أو أس ميديتيراني» و»أوشيان فايكينغ» و «جيو بارنتس» التي هي تابعة لجمعيات أهلية مثل الصليب الأحمر و أطباء بلا حدود وجمعيات أخرى غير حكومية ألمانية وفرنسية واسبانية. ولا يمكن في ظروف الإغاثة اعتماد نفس التراتيب التي تتوخاها البواخر الحكومية الإيطالية في انقاذ المهاجرين داخل الحدود البحرية الإيطالية. وفي غياب آليات أوروبية مشتركة تساعد على التفاعل بنفس القدر من الالتزام، يبقى المهاجرون في وضع معاناة دائم في انتظار حل أوروبي مشترك.
«مخطط مارشال جديد» لمساعدة إفريقيا
وتعتبر حكومة جورجيا ميلوني أن وضع إيطاليا في واجهة موجات الهجرة غير النظامية يحتم عليها اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع «اجتياح» أراضيها. وهي تعمل الآن على اقتراح خطة متكاملة على المفوضية الأوروبية لدراسة وضع الهجرة غير النظامية. أول مقترح خو تخصيص «مخطط مارشال جديد» لمساعدة البلدان الإفريقية المعنية بالهجرة غير النظامية، وهي حسب الحكومة الإيطالية مصر وليبيا وتونس والجزائر والغرب ودول الساحل الإفريقي. وقدرت الحكومة الإيطالية ميزانية المخطط ب 100 مليار يورو، على المستويات القريبة والمتوسطة والبعيدة، تخصص، من قبل الدول الأوروبية، لإعانة الدول الإفريقية المعنية من أجل القبول بإرساء «مواقع فرز» على أراضيها ومساعدتها على توطين مواطنيها عبر مشاريع استثمارية ومنعها من الهجرة غير النظامية. وهو ما أكده وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاجاني في قمة وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي الأخيرة.
وتستلهم روما هذا المقترح من الاتفاق المبرم مع تركيا منذ أزمة 2015 والذي يقضي بمنع الهجرة من الأراضي التركية مقابل ميزانية قدرت ب6 مليار يورو سنويا يقدمها الإتحاد الأوروبي مع إدارة أوضاع المهاجرين على الأراضي الإفريقية كما تعهدت به جورجيا ميلوني في حملتها الانتخابية. وترغب الوزيرة الأولى في تغيير نظم وتراتيب التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية بالرغم من معارضة بعض الدول الأوروبية والموقف الصارم لرئيس الدولة الإيطالية سرجيو ماتاريلا الذي رفض قانون الهجرة المقدم من قبل ماتيو سالفيني عان 2018. ويبقى مخطط جورجيا ميلوني الرامي إلى الحد من الهجرة غير النظامية عصب السياسات الأوروبية بالنسبة إليها لما لهذه المسألة من اشعاع لدى الدول الأوروبية التي تحكمها أغلبية يمينيّة وتلك التي تتوخى سياسات شعبوية داعمة للتوجه الإيطالي من شأنها ان تغير وجه أوروبا نحو تدعيم القوميات على حساب نفوذ بروكسل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا