إثر مظاهرات شعبية، فرنسا تعرض «الحكم الذاتي» على جزيرة كورسيكا: وفاة إيفون كولونا ،أحد قادة الاستقلاليين المسجون، يدعم موقف القوميين

قرر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درمانان عرض «الحكم الذاتي» على جزيرة كورسيكا في خطوة فاجأت جميع الفاعلين السياسيين المنغمسين في الحملة الانتخابية للرئاسة.

وقد شهدت جزيرة كورسيكا الفرنسية في الأيام الماضية اضطرابات شعبية على خلفية اعتداء دموي قاتل داخل السجن على إيفون كولونا أحد قادة الاستقلاليين في كورسيكا من قبل سجين راديكالي.وكان كولونا يقضي مدة سجنه بسبب إدانته باغتيال كلودإيرينياك والي الجزيرة عام 2007.
وقد انتشرت الاضطرابات في مختلف مدن الجزيرة إثر الاعتداء على أحد زعماء القوميين بداية شهر مارس وحصلت اضطرابات وهجمات بكوكتيل مولوتوف واضرام النار في مبان رسمية ومواجهات مع رجال الأمن. وقرر وزير الداخلية الانتقال إلى جزيرة كورسيكا يوم 16 مارس من أجل تهدئة الأوضاع في الجزيرة والاتصال بالمسؤولين والنواب فيها. وصرح في حديث لجريدة «كورسيكا ماتان» أن باريس «مستعدة للذهاب نحو الحكم الذاتي وتبقى مسألة معرفة ما يتضمنه ذلك الحكم الذاتي.»
ما هو مدى الحكم الذاتي؟
يسعى وزير الداخلية، في إطار الحملة الانتخابية الرئاسية، إلى عدم زج الجزيرة في بوتقة العنف الذي يفرض على الحكومة التدخل في كل حالات التشويش على الحملة الانتخابية للرئيس ماكرون. تلويح وزير الداخلية بمنح وضع الحكم الذاتي يفتح الباب أمام السياسيين في كورسيكا الذين كانوا يطالبون باستقلال الجزيرة للدخول في مفاوضات جديدة لتحديد المسؤوليات التي تؤدي إلى الحكم الذاتي. وقد قوبلت مجازفة وزير الداخلية بالترحيب من جزء هام من الطبقة السياسية في الجزيرة، تلك التي دخلت في العملية السياسية بعد مفاوضات مع باريس من أجل منح كورسيكا مسؤوليات أكبر مما كان عليه الحال. وتتمتع الجزيرة ببرلمان محلي وبحكومة محلية تشكل «السلطة» في كورسيكا. وهو وضع سهل خروج السياسيين القوميين من منطق المطالبة بالاستقلال والدخول في الانتخابات المحلية.
تصريح درمانان أدخل الجزيرة في منطق آخر، ليس بالضرورة معبر نحو الاستقلال، بل دعم لمزيد من «التحرر» من المركز الباريسي ودخول في ممارسة مسؤوليات أكبر في الجزيرة. بالنسبة للحكومة الحكم الذاتي لا يعني الاستقلال. فهو وضع يشابه ما عليه وضع الحكم الذاتي في جزر بولينيزيا الفرنسية في المحيط الهادي. في كل الحالات، وقد أطفأ تصريح جيرالد درمانان حريقا كان بالإمكان أن يتحول إلى بركان في ظروف حملة الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانيةوفتح الباب لمفاوضات جديدة يمكن أن تقام بعد الانتخابات الرئاسية المبرمجة ليومي 10 و24 أفريل وانتخابات تشريعية سوف يكون لها وقع في الانتخابات في كورسيكا نفسها.
وأظهر استقبال جثمان إيفون كولونا من قبل أهالي الجزيرة كزعيم وطني يوم 25 مارس للفرنسيين عزم أهالي كورسيكا على توحيد الصفوف من أجل استغلال هذه الفرصة التاريخية التي فتحت أمامهم لتحقيق ما يمكن تحقيقه من تحرر في إطار الجمهورية الفرنسية. ولم يخف على مقاتلي الجبهة الوطنية لتحرير كورسيكا المنحلة والسياسيين القوميين الذين يترأسون اليوم الشأن العام في الجزيرة ما حصل في اسبانيا إثر تعنت الانفصاليين في كتالونيا وسلسلة المتابعات والمحاكمات التي لا زالت تلاحق المسؤولين في المقاطعة مع تراجع المد الاستقلالي عن مدريد. كورسيكا عام 2022 ليست جزيرة 2007 عندما كان الصراع الطاحن من أجل فرض الاستقلال يدير الشأن السياسي في المنطقة. وقد مارس جل السياسيين القوميين السلطة المحلية ووقفوا على محدودية الفعل السياسي. ويراهن قصر الإليزيه على نضج الطبقة السياسية المحلية بعد ممارستها للسلطة لخوض مرحلة جديدة تساهم في الوصول إلى أجوبة على مسائل يمكن إدارتها داخل الفضاء الجمهوري الفرنسي المشترك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا