في الانتخابات التشريعية الألمانية ليوم 26 سبتمبر: من سيخلف أنجيلا ميركل؟

تنظم انتخابات 26 سبتمبر التشريعية في ألمانيا لخلافة أنجيلا ميركل بعد 16 عاما من الحكم المتواصل. وتدخل الأحزاب السياسية في سباق

متجدد أظهرت فيها آخر عمليات سبر الآراء تقدما طفيفا لزعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي أولافشولز على نظيره أرمين لاشيت من الحزب الديمقراطي المسيحي في حين تأتي في المرتبة الثالثة َأنالينا باربوك زعيمة الخضر.
وخلافا للتقاليد الألمانية التي تركز على البرامج السياسية، كانت الحملة الانتخابية عبارة على سباق بين مسؤولين سياسيين تمحورت اختيارات الرأي العام حول شخصياتهم ومقدرتهم على طمأنته في ظروف جائحة كورونا. وأبرزت كل مؤسسات سبر الآراء أن الأرقام المتدنية المسجلة من قبل الأحزاب تشير إلى ضرورة تحالف ثلاثة أحزاب لتشكيل أغلبية برلمانية في حين عادة ما يتحصل الحزب الفائز على نسبة تقرب من 40% من الأصوات. ويبقى السؤال مطروحا حول قدرة الحزب الديمقراطي المسيحي على الحفاظ على رئاسة الحكومة بعد مغادرة زعيمته أنجيلا ميركل الحياة السياسية.

16 سنة من الحكم المتواصل
تربعت المستشارة أنجيلا ميركل على كرسي رئاسة الحكومة لمدة 16 عاما وخاضت أربع حملات انتخابية منذ أن خلفت المستشار الاشتراكي غيرهارد شرودر عام 2005. وهي تتمتع، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأكبر مدة في سدة الحكم في الدول الأوروبية. وكان لها الفضل في معايشة كمستشارة أربع رؤساء أمريكيين (جورج بوش الابن، باراك أوباما، دونالد ترامب وجو بايدن) وأربع رؤساء فرنسيين (جاك شيراك، نيكولا ساركوزي، فرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون وخمسة رؤساء حكومة بريطانيين و8 إيطاليين و7 يونانيين مما جعلها تتربع على عرش أوروبا وتؤثر بصورة فعالة في إدارة الشأن الأوروبي.
وإن نجحت أنجيلا ميركل خلال مسيرتها في استغلال الإصلاحات الليبرالية التي قام بها المستشار الاشتراكي غيرهارد شرودر بعد توحيد الألمانيتين لتنمية الاقتصاد الألماني ودفع عجلة اندماج ألمانيا الشرقية في النظام الرأسمالي لألمانيا الإتحادية فإنها عملت على المرور بسلام من أزمات حادة مثل التي هزت أوروبا عام 2008 وموجة العمليات الإرهابية وإدارة البريكست مع الدول الأوروبية وجائحة كورونا. وكان لها مواقف شخصية واجهت فيها انتقادات سياسية بدون أن تهز قدرتها على تنفيذ قراراتها مثل التخلي على برنامج الطاقة النووية إثر حادثة فوكوشيما النووية في اليابان وفتحها عام 2015، خلافا لباقي الدول الأوروبية، الحدود أمام مليون لاجئ سوري لدخول الأراضي الألمانية. ميركل التي نشأت وعاشت في ألمانيا الشرقية في ظل النظام الشيوعي وجدار برلين لم تفكر يوما في إقامة حائط أمام لاجئين عزل فارين من الحرب والاستبداد. وهو ما جعل الشعب الألماني يلقبها بعبارة «موتي» الألمانية التي تعني «أمي».

الإرث السياسي للمستشارة
«الأم» ميركل تترك إرثا سياسيا يصعب تصور أن يستمر على ما كان عليه مع خليفتها بعد انتخابات الأحد 26 سبتمبر. الشخصيات المتنافسة على السلطة، الديمقراطي المسيحي أرمين لاشيت وزعيمة الخضر أنالينا باربوك والاشتراكي الديمقراطي أولافشولز ليست لهم نفس التصورات السياسية والمؤهلات الذاتية. لكنهم يرثون من أنجيلا ميركل استراتيجيات دولة بنيت على إدارة التوافق التي مكنتها من قيادة ثلاث حكومات ائتلافية مع الاشتراكيين وفرض رأيها بشيء من اللين في الأزمة اليونانية الأخيرة. وتترك ميركل وراءها تقليدا في توخي السياسات البرغماتية التي استعملتها في تعدي الأزمات والصعوبات وكذلك في تغيير عقيدتها الاقتصادية لصالح أوروبا بقبولها اقتسام التداين المشترك الأوروبي على إثر أزمة الكورونا.
وأصبحت مواقف ميركل تنعت في الأوساط الألمانية والدولية بالحكمة السياسية الشيء الذي مكن ألمانيا في عهدها من قدرات تنموية جعلتها، بعد فترة من الركود مع توحيد ألمانيا إثر سقوط جدار برلين، تتصدر البلدان الأوروبية لتصبح رابع اقتصاد في العالم. ولا تزال ألمانيا مع حليفتها فرنسا تقرر في أم المسائل الأوروبية. هذه الحكمة المكتسبة مكنتها من ربط علاقات إيجابية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تشاركه القدرة على الحديث باللغتين الروسية والألمانية، نجحت من خلالها في فرض العقد المبرم مع موسكو لربط روسيا بألمانيا عبر أنبوب غاز «نور ستريم» بالرغم من الرفض الأمريكي وتحفظ بعض الدول الأوروبية.

من سيخلف أنجيلا ميركل؟
سؤال لا يزال مطروحا لأن نتائج آخر سبر للآراء لم تعط نسبا حاسمة تمكن من الجزم واعتبار أحد المرشحين قادرا على الفوز بمفرده. في الطليعة يأتي الاشتراكي شولز بنسبة 25% يليه الديمقراطي المسيحي لاشيت ب 23% وفي المرتبة الثالثة زعيمة الخضر أنالينا باربوك ب 17%. أما الليبراليون فهم في المرتبة الرابعة ب 13% من الأصوات المصرح بها. حسب المحللين الألمان، لا يمكن معرفة اسم الفائز مباشرة بعد الانتهاء من عمليات الاقتراع بسبب نظام الحكم البرلماني الذي يقضي بانتخاب المستشار أو المستشارة من قبل البوندشتاغ (البرلمان). ويعتبرون أن التوصل إلى تشكيل ائتلاف حكومي بين ثلاثة أحزاب، على ضوء مستوى النسب المسجلة، سوف يستغرق بضعة أشهر قبل انتخاب المستشار الجديد.
وحسب الصحافة الألمانية هنالك ثلاثة سيناريوهات ممكنة. الأول، في صورة نجاح الإشتراكيشولز، يمكن التكهن بتحالف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر والليبراليين على أن الأخيرين يمكنهم القبول بحد أدنى من المطالب مقابل رجوعهم لسدة الحكم. أما السيناريو الثاني، في صورة تصدر حزب أنجيلا ميركل، فهو سوف يتمحور حول تمكين أرمين لاشيت من تشكيل ائتلاف حكومي مع الليبراليين والخضر لما لهذا الحزب الأخير من وقع في صفوف الرأي العام. أما إذا لم تنجح الأحزاب الكبرى في السيناريوهات المذكورة تبقى إمكانية إعادة تشكيل ائتلاف عريض، على غرار ما قامت به المستشارة ميركل، بين الاشتراكيين والمحافظين.
في كل الحالات سوف تواجه الحكومة الألمانية المنبثقة من انتخابات 26 سبتمبر تحديات عديدة في مقدمتها الخروج من أزمة جائحة كورونا في إطار إدارة أوروبية متناسقة والعمل على إعادة احياء النمو الاقتصادي الذي أخذ في التعافي. على المستوى الدولي، وبعد الموقف الأحادي الجانب للولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجية مقاومة المد الصيني الذي استثنيت بموجبه فرنسا من تسليح أستراليا، سوف تتجه الحكومة الألمانية نحو دعم الاندماج السياسي الأوروبي بصورة تمكن الإتحاد من تشكيل نواة لنظام دفاعي مشترك يخدم على المستوى البعيد المصالح الأوروبية في العالم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا