على خلفية الانقلاب العسكري فرنسا تُهدّد بسحب جنودها من مالي: مستقبل النفوذ الفرنسي في الميزان

هدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حديث لجريدة «جي دي دي» الباريسية الصادرة يوم الأحد 30 ماي بسحب قواته من مالي «في صورة

ما اذا اتجهت مالي نحو الإسلام الراديكالي». جاء هذا الموقف بعد الانقلاب الثاني في غضون 9 أشهر والذي قام به العقيد هاشمي غويتا للاستيلاء على السلطة بعد أن أطاح بالرئيس أبو بكر كيتا في أوت 2020. هاشمي غويتا ،الذي ترأس اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب التي أطاحت بالرئيس كيتا، اعتقل الرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس حكومته مختار ثم أطلق سراحهما ووضعهما تحت الإقامة الجبرية في خطوة لإقرار تعيينه من قبل المحكمة الدستورية رئيسا جديدا للبلاد.
وراجت في العاصمة الفرنسية باريس في الأيام القليلة قبل الانقلاب الثاني أخبار تشير إلى اختلافات حادة بين نائب الرئيس المالي هاشمي غويتا والرئيس نداو حول استراتيجيات المرحلة الانتقالية. وأفاد بعض الملاحظين القريبين من الأوساط الدبلوماسية أن الانقلاب جاء نتيجة لتعاظم دور المعارضة السياسية التي تمكنت من توحيد صفوفها وأن الإمام محمود ديكو المعروف بميولاتها الاسلاموية أصبح رقما في المعادلة السياسية خاصة بعد نجاحه في تنظيم المظاهرات التي أدت إلى انقلاب أوت 2020. ومردّ تحذير ماكرون من الخضوع لنفوذ الإسلاميين رغبة الحاكم الجديد في ربط علاقات مع القوى الفاعلة في الشارع المالي لضمان استمرار نفوذه. وهي الإستراتيجية التي لا ترغب باريس الدخول فيها.

تحرك محدود لدول الجوار
وتزامن الموقف الفرنسي مع قرار الاتحاد الاقتصادي لدول غرب افريقيا خلال اجتماعه الأحد الماضي «التنديد بالإنقلاب» وتجميد مالي في مؤسسات الإتحاد والمطالبة «الفورية»بتعيين رئيس حكومة من صلب المجتمع المدني. وهو موقف اعتبره الملاحظون معتدلا بالنسبة لموقف دول الجوار عام 2020. ويشارك في منظمة دول غرب افريقيا البنين وبوركينا فاسو وكاب فار وساحل العاج وغامبيا وغانا وغينيا وليبريا وغينيا بيساو ومالي والنيجر ونيجيريا، وسيرا ليون، والسينغال، وتوغو. وهي الدول التي تتعامل مع فرنسا في إطار استراتيجية مقاومة الحركات الجهادية في الساحل الإفريقي.

قوات «برخان» والنفوذ الفرنسي في إفريقيا
وشهدت الإستراتيجية الفرنسية في إفريقيا متغيرات بعد مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي وقيام نجله محمد بانقلاب عسكري استولى بموجبه على السلطة. وهو ما أربك باريس ودول المنطقة الساحلية الخمس التي سايرت الحدث من أجل الحفاظ على وحدة تشاد وضمان مواصلة الحرب على الإرهاب والتي خاضتها فرنسا منذ تدخلها في مالي عام 2012.
ولئن اندلع جدل في باريس حول مواصلة برنامج «برخان» العسكري فإن قصر الإيليزي أكد مرارا على البرنامج والعمل على ضمان مساهمة أوروبية وافريقية في استراتيجية مقاومة الجماعات الإسلامية. ولا يبدو أن باريس سوف تقلص من عدد قواتها الذي يصل إلى 5100 جندي يشاركون في بلدان الساحل الإفريقي مع القوات الأممية المرابطة في مالي والقوات الإفريقية في الحرب على الإرهاب. لكن باريس أظهرت في الآونة الأخيرة قلقا متزايدا من النفوذ الروسي المتزايد في دولة إفريقيا الوسطى وهو ما يعقد السياسات الفرنسية التي أصبحت تتنافس مع قوات أخرى في الفضاء الإفريقي.
وكانت فرنسا قد قررت عام 2020 مسايرة بلدان الإتحاد الاقتصادي لدول غرب افريقيا في عزمها على التخلي عن الفرنك الإفريقي كعملة واستبدالها بعملة «الإيكو». خطوة تلغي العملة التي أسست عام 1945 على عهد الجنرال دي غول والتي تجبر الدول المشاركة في تحويل 50% من مداخيلها إلى البنك المركزي الفرنسي. وكان هذا النظام المركزي محل انتقادات من السياسيين والخبراء في البلدان الإفريقية التي تعتبره عقبة أمام نمو وتطور اقتصاد البلدان الإفريقية.
تهديد ماكرون بسحب قواته من مالي يعتبر محاولة جديدة للحفاظ على نفوذ فرنسا في افريقيا بالضغط على الدول الفرنكوفونية للقبول بالأمر الواقع. ومقابل ذلك أكد ماكرون على ضرورة بعث «برنامج مارشال» جديد لفائدة البلدان الإفريقية من أجل ضمان نموها ومنحها القدرة على تثبيت مواطنيها في الأراضي الإفريقية والحد، بذلك التوجه، من موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. لكن ذلك الموضوع لا تملك باريس كل مفاتيحه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا