تعيين ماريو دراغي لتشكيل حكومة إيطالية جديدة: اقتراح حكومة متناصفة بين سياسيين و «تقنيين»

إثر استقالة رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي كلف الرئيس الإيطالي سارجيوماتاريلا، رئيس البرلمان روبارتو فيكو من حزب 5 نجوم بالقيام بدورة من المشاورات

والتي خلص إثرها إلى عدم الوصول إلى ضمان أغلبية برلمانية للوزير المستقيل. وقرر إثر ذلك الرئيس يوم الأربعاء 3 فيفري تكليف ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، بتشكيل حكومة جديدة.
ماريو دراغي يحظى بشعبية واحترام واسعين في الأوساط السياسية والشعبية في إيطاليا بسبب الأداء الجيد خلال مقاومته لأزمة اليورو عام 2012 على رأس البنك المركزي الأوروبي، قبل المهمة وصرح أنه يعتزم تشكيل حكومة مخضرمة فيها سياسيون ينتمون للأحزاب و«تقنيون» مستقلون تكون متفتحة على كل الأحزاب من اليمين و اليسار على غرار حكومة 1993 التي أسسها الرئيس الأسبق كارلو أزاليوشيامبي. وأعلن ضمن أولوياته الأساسية عن مقاومة جائحة كورونا وإعادة احياء الاقتصاد الإيطالي. وقد رحبت بورصة ميلانو بالخبر لما لرئيس الحكومة المرشح من سمعة لدى رجال الأعمال والمستثمرين.

سياسة نزع الألغام
التصريحات الأولى حول تشكيل الحكومة وأهدافها تدخل في إطار نزع الألغام التي هزت حكم جيوزيبي كونتيه. فبإعلانه الدخول في مشاورات مع كل الأحزاب أظهر عدم انحيازه لأي حزب وقبوله بمبدإ المرونة الحازمة في الوصول إلى توافقات سياسية بين الأحزاب التي تدخل في مشروع تشكيل أغلبية برلمانية جديدة على أساس توليه الحكم لإدارة برنامج إصلاحي رسم معالمه في أربعة محاور أساسية فرضتها الأزمة الصحية. وهو ما يفتح الباب إلى تركيز المشاورات على تمثيلية الأحزاب مع تلوين بعض نقاط البرنامج المقترح.
وقد عبّر ماتيورانزي، زعيم حزب «إيطاليا الحية» المنشق عن الحزب الديمقراطي اليساري، الذي تسبب في الإطاحة بحكومة جيزويبي كونتيه، عن ارتياحه لاختيار ماريو دراغي قائلا: «يمكن لفريق حكومي جيد إعادة صياغة برنامج للأموال الأوروبية المرصودة خلال ثلاثة أيام. وسوف أكون مرتاحا إذا تم تكليف ماريو دراغي، وليس كونتيه، بإدارة 200 مليار يورو. حتى ولو كان رئيس الحكومة السابق ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة سوف أصوت لصالحها.» ضمان أصوات «إيطاليا الحية» في البرلمان يتطلب التوصل إلى اقناع الأحزاب الأخرى بالدخول في تحالف حكومي جديد على أسس يضبطها ماريو دراغي.

انقسامات سياسية وتحديات اقتصادية
ورث ماريو دراغي وضعا سياسيا يشهده الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار وتشقه انقسامات إضافية داخل كل مجموعة. فالإطاحة بحكومة كونتيه جاءت من داخل الائتلاف الحكومي بخروج وزراء «إيطاليا الحية» منه. أما الدخول في ائتلاف جديد واسع بين اليمين و اليسار تحت راية ماريو دراغي فسوف يجد أمامه عقبات أخرى تتمثل في رفض ماتيوسالفيني، زعيم حزب الرابطة المتطرف، التحالف مع حزب 5 نجوم الذي أخرجه من حكومة جيوزيبي كونتيه الأولى. سيلفيو برلسكوني، رئيس الحكومة الأسبق وزعيم «فورصا إيطاليا»، أعلن قبوله الدخول في حكومة دراغي. لكن الحزب الديمقراطي لن يقبل به كشريك.
التصريحات الأولية لزعماء الأحزاب تبقى متناقضة ولا تشير إلى حصول توافق أغلبي إلى حد الساعة. نيكولازينغاراتي زعيم الحزب الديمقراطي أعلن عن قبوله الدخول في ائتلاف حكومي على أساس الأغلبية المستقيلة مع تطعيمها بنواب جديد. لكن دي مايو، زعيم 5 نجوم، رفض هيكلة الحكومة التي تقدم بها ماريو دراغي وطالب بحكومة سياسية دون مستقلين. معادلة صعبة تواجه ماريو دراغي في هذه الظروف التي تبدأ فيها المشاورات. لكن عدم رفع فيتو في وجه جيوزيبي كونتيه من قبل ماتيورانزي يبقى مؤشرا إيجابيا يمكن أن يستغله ماريو دراغي في تمرير مشروع اتفاق يراعي مصالح أحزاب الإئتلاف الحالي. يبقى إقناع دي مايو، الذي يخشى من تغول «التقنيين» الموالين لرئيس الحكومة الجديد على القرارات السياسية الهامة، بالدخول في مفاوضات تعطي للأحزاب حيزا هاما في الحكومة.

يرى جل المحللين السياسيين في روما أن وضع الطبقة السياسية الإيطالية الحالية، المنقسمة هيكليا وإيديولوجيا، لا يمكنها تأخير تشكيل الحكومة الجديدة لما أظهرته من تمسك بالمصالح الحزبية على حساب المصالح العامة والذي ظهر جليا في إدارة الأزمة الصحية. ويعتقد الملاحظون أن ماريو دراغي الذي يتمتع بشعبية عالية وباحترام السوق المالية ورجال الأعمال له القدرة على فرض حل توافقي إذا ما قامت الأحزاب بتنازلات سياسية لإعطاء البلاد حكومة تمكنها من مقاومة الأزمة الصحية والاقتصادية الخانقة. وهي فرصة تاريخية أمامهم لمنع الدخول في انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، في حال استفحلت الانقسامات، تضفي إلى معاقبة الناخبين كل الأحزاب التي رفضت منح البلاد فرصة حقيقية للخروج من الأزمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا