موجة من المظاهرات الشعبية ضد أساليب الحظر الصحي في أوروبا: عمليات عصيان مدني في الأفق ضد الأساليب القسرية التي تحدّ من الحريات

كما هو الحال في عدد من المدن التونسية واللبنانية، اندلعت مظاهرات ليلية في هولندا والدانمارك وإسبانيا في الأيام الأخيرة ضد إجراءات منع التجول في إطار الحظر الصحي

المفروض في عدد من البلدان الأوروبية لمقاومة تفشي فيروس كورونا خاصة مع ظهور السلالة الجديدة للفيروس القادمة من بريطانيا وجنوب افريقيا والبرازيل والتي أظهرت قدرة فائقة على الانتشار. وهو ما أجبر الدول الأوروبية على إعادة فرض منع التجول ليلا، بنسب مختلفة، من أجل الحد من انتشار كوفيد 19.
تأتي هذه التحركات الشعبية بعد أن قامت الحكومات منذ سنة بتجارب للتصدي للجائحة لم تسفر على التحكم في الفيروس في غياب أدوية واقية. وكانت المقاهي والنزل والمطاعم والمحلات التجارية الصغرى في طليعة المتضررين جراء إغلاقها. لكن نجاح العلماء والباحثين في التوصل إلى لقاحات فعالة ضد كوفيد 19 لم يحل المشكلة بسبب عدم توفر الكميات الكافية من اللقاحات. وهو ما جعل الحكومات الأوروبية تأخذ قرارات جديدة كإغلاق الحدود ومنع دخول البريطانيين والبرازيليين والأفارقة لفضاء شنغان. بالرغم من ذلك سرعان ما تعكرت الأوضاع الصحية خلال الأسبوع الماضي مما أجبر الحكومات على اتخاذ إجراءات صارمة رفضتها بعض الفئات الشعبية المتضررة وفي مقدمتها الشباب والعمال والمستثمرين الذين فقدوا مواطن شغلهم وأرزاقهم.

أقوى مظاهرات منذ 40 سنة في هولندا
إثر القرار الذي اتخذه الوزير الأول الهولندي مارك ريته، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بفرض حظر التجول ابتداء من الساعة التاسعة مساء اندلعت مظاهرات شبابية عنيفة في مدن أمستردام وروتردام ولاهاي تخللتها أعمال عنف وتخريب للمعدات البلدية وبعض المحلات التجارية. وتصدت قوات الأمن لهذه الأعمال مستخدمة كل الوسائل لمقاومة الشغب وأعمال العنف. وتم إيقاف أكثر من 250 شخصا شاركوا في أعمال التخريب.
و ندد الوزير الأول بتلك «الأعمال الإجرامية» معتبرا أنها «أتعس مظاهرات منذ 40 سنة» تشهدها البلاد. واستمرت المظاهرات لثلاث ليال متتالية وامتدت إلى مدن صغرى مثل «هارلام»و»جلين»و»أمرسفورت» و«بوش». وقررت الحكومة الإبقاء على حظر التجول معتبرة، على لسان رئيس الحكومة، أن المظاهرات «لا علاقة لها بالنضال من أجل الحرية» مؤكدة على أن الإجراءات الحكومية ترمي إلى مقاومة الفيروس «وهو الذي يحد من حريتنا».

«الرجال السود» في الدانمارك
نفس مظاهر العنف نشبت في الدانمارك البلد الأوروبي الهادئ الذي تحلو فيه الحياة. لكن شباب فريق «الرجال السود»، وهي مجموعة راديكالية تنشط عبر وسائل الاتصال الاجتماعي وخاصة في شبكة فايسبوك نظمت مظاهرات عنيفة أحرقت خلالها في مدينة كوبنهاغن تمثالا خشبيا يجسم الوزيرة الأولى الدانماركية. جاء ذلك إثر إغلاق المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم والمدارس إلى حدود 7 فيفري القادم.
وبدأت أنشطة المقاومة للإجراءات الصحية من قبل «الرجال السود» منذ أكثر من شهر نددوا فيها بـ«الدكتاتورية» و «التعسف» الحكومي الذي يحد من الحريات الفردية والعامة. وقامت قوات الأمن بتفرقة المتظاهرين وأوقفت عددا غير كبير منهم. وعبرت الأوساط الحكومية على انشغالها من مظاهر التطرف والراديكالية المتزايدة في ظروف لا تملك فيها السلطات أي وسيلة أخرى للتصدي لتفشي فيروس كورونا.

إسبانيا
أما في إسبانيا التي تعاني من تفاقم الأزمة الصحية فتشهد هي الأخرى مظاهرات شعبية نددت في العاصمة مدريد بالتعدي على الحريات من قبل الحكومة التي فرضت حالة عدم التجول ليلا ومنعت التنقل بين الجهات. وسجلت إسبانيا إلى حد هذا الأسبوع 55 ألف حالة وفاة ومليونين ونصف من المصابين بفيروس كورونا. وتخشى السلطات من تفاقم الأزمة مع انتشار السلالة الجديدة القادمة من بريطانيا ومن البرازيل. لكن المتظاهرين لا يعتبرون أن هنالك فيروسا بل مجرد زكام عادي. ونددوا عبر لافتاتهم بـ«المغالطة» الحكومية التي تريد فرض فكرة وجود فيروس كورونا. ظاهرة نفي وجود الفيروس تنتشر بنفس السرعة التي ينتشر فيها كوفيد 19 في صفوف المتضررين من الإجراءات القسرية التي تتخذها حكومة مدريد لتفادي ازدحام المستشفيات. ولئن تواصلت المظاهرات فإن الحكومة المركزية قررت الإبقاء على كل الاحتياطات اللازمة مع إمكانية التصعيد في شكلها إذا ما تأكد تدهور الوضع الصحي.

نحو موجة من العصيان المدني في فرنسا
شهدت فرنسا في الأشهر الماضية مظاهرات سلمية نظمها حرفيون في المقاهي والمطاعم والمكتبات طالبوا فيها بفتح كل المحلات التجارية مع ملازمة الاحتياطات الصحية. لكن الحكومة لم تستجب إلى كل الطلبات. ومع تفشي الفيروس من السلالات الجديدة وتفاقم الوضع في المستشفيات تفكر الحكومة في موجة ثالثة من الحظر الصحي تغلق فيه مجددا كل المحلات التجارية غير الأساسية وتمنع فيها التظاهرات الجماهيرية. ومن المفروض أن يعلن الرئيس إيمانويل ماكرون في نهاية الأسبوع عن حزمة من الإجراءات الجديدة للتصدي لانتشار الفيروس.
في هذه الظروف الصعبة دخل بعض الحرفيين في عمليات عصيان مدني بفتح بعض المطاعم في مدينة نيس وفي أنحاء متفرقة من البلاد. وتعددت النداءات على شبكات التواصل الاجتماعي لرفض أي اجراء إضافي والإقدام على الرجوع إلى سالف نشاط كل المحلات التجارية بالرغم من قانون الطوارئ الصحي الذي ينظم الحياة العامة إلى موفي ربيع 2012. وتم نشر هاشتاغ «لن ألتزم بالحظر» على شبكة تويتر شارك فيه عشرات الالاف من الحرفيين الممنوعين من فتح المقاهي والمطاعم والنزل وغيرها من المحلات التجارية. وعبر الكثير منهم عن نيتهم في عدم إغلاق محلاتهم مجددا. وهي موجة تخشاها السلطات التي، إلى حد الآن، نجحت في اقناعهم بالإبقاء على حالة الغلق مع تقديم مساعدات مالية متزايدة لهم. وتشير آخر عمليات سبر الآراء إلى تقبل أغلبية من الفرنسيين لحظر ثالث في انتظار تكثيف عمليات التلقيح لكن تواصل حملة الدعوة إلى العصيان المدني سوف تربك القرار الرئاسي الذي يحاول منذ بداية الأزمة الصحية استعمال كل الوسائل للحد من انتشار الفيروس مع مساعدة المتضررين من ذلك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا