6 جانفي... اليوم الذي هز النظام الديمقراطي الأمريكي: اقتحام الكونغرس من قبل مناصري دونالد ترامب

• أغلبية للديمقراطيين في مجلس الشيوخ والإقرار بجو بايدن كرئيسا جديدا

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في 6 جانفي 2021 يوما من أحلك أيامها. ففي حين كان العالم ينتظر إقرار الكونغرس بنتائج انتخابات 3 نوفمبر بإعلانه فوز جو بايدن بالرئاسة كما جاء في تقرير المجمع الانتخابي الذي أعطى 306 أصوات للمرشح الديمقراطي و232 للرئيس دونالد ترامب، حصل ما كان يخشاه المراقبون في واشنطن من تعكر للأجواء جراء رفض الرئيس المتخلي الإقرار بهزيمته.

فبعد أن استدعى ترامب مناصريه للتجمهر في نفس اليوم أمام البيت الأبيض أين ألقى فيهم خطابا كرر رفضه للنتائج معتبرا أنه فاز بفارق كبير وأن الانتصار اختطف منه وأنه «لن يعترف أبدا» بهذه النتيجة، قام عشرات المئات من المتظاهرين بالتوجه للكونغرس للتعبير عن رفضهم للنتيجة. وحصل ما شاهده العالم مباشرة على شاشات التلفزيونات من «تمرد» المئات الذين اقتحموا مقر الكونغرس المجتمع لغرض إقرار النتائج نهائيا وقاموا باجتياح قاعة المداولات لمنع النواب من مواصلة اشغالهم، وتحطيم زجاج المبنى واتلاف معدات في القاعات وتكسير آليات التصوير لفرق الصحافة المرئية و«احتلال» الكونغرس لمدة 4 ساعات متتالية من قبل متمردين رفعوا العلم الكونفدرالي الذي يرجع وجوده إلى الحرب الأهلية التي تأسست على أعقابها وحدة الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن يتدخل الحرس الوطني التابع للجيش الأمريكي لفض الاعتصام واخلاء المبنى وإعادة النواب لمباشرة أعمالهم.

تدخل الجيش لم يكن بقرار من رئيس الدولة الذي هو رئيس الأركان بل كان من نائب الرئيس مايك بنس بطلب من رئيس مجلس الأمن القومي، وذلك خلافا للتراتيب التي لا تعطي لنائب الرئيس المسؤولية في إدارة الجيش. لكن الوضع الكارثي التي كان عليه النظام الديمقراطي الأمريكي جراء تعنت دونالد ترامب جعل مايك بنس «يتحرر» من تلك القيود ليفرض احترام النظام الدستوري لإيقاف النزيف الذي هز الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وخلف اجتياح الكونغرس 4 قتلى في صفوف المتمردين وعددا من الجرحى في صفوف رجال الأمن المكلفين بحماية الكونغرس. وأعلنت الشرطة أنها قامت بتفكيك لغمين غير تقليديين وضعا بالقرب من مكتب تابع للجمهوريين وآخر للديمقراطيين قرب مجلس الشيوخ. آخر الأنباء تشير إلى إيقاف 13 شخصا داخل مبنى الكونغرس و 54 آخرين خارجه خالفوا قانون حظر الجولان من بينهم 4 بحوزتهم سلاح غير مرخص فيه.

جو بايدن رئيس جديد شرعي للبلاد
وفي حين تحركت المئات من مليشيات «سيادة البيض» نحو الكونغرس كانت ولاية جورجيا قد أعلنت على فوز الحزب الديمقراطي بمقعدين في مجلس الشيوخ مما يعطيه الأغلبية في المجلسين وإدارة كل اللجان التابعة لهما وهو في حد ذاته انتصار آخر لجو بايدن وهزيمة لدونالد ترامب تضاف إلى الهزيمة الثالثة للحزب الجمهوري، تحت قيادة ترامب، الذي خسر أغلبية مجلس النواب و مجلس الشيوخ والرئاسة. هذه النتيجة بإمكانها أن تفتح مجالا واسعا أمام الرئيس الجديد لتمرير سياساته الداخلية والخارجية وتشكيل حكومته دون قيود جمهورية.
بعد فض اعتصام المتمردين رجع الكونغرس للاجتماع تحت رئاسة نائب الرئيس مايك بنس وأفضت المداولات، بعد اعتراضات تقدم بها نواب من الحزب الجمهوري، إلى إعلان نتيجة فوز جو بايدن بالرئاسية على الساعة الثالثة وواحد وأربعين من صباح يوم 7 جانفي لينتهي مسلسل الانتخابات الأمريكية. وتمت إعادة العمل إلى المؤسسات الديمقراطية الأمريكية كان أهم خطوة للمحافظة على الدولة واستمراريتها. لكن ذلك سوف تكون له عواقب وتداعيات عميقة في المشهد السياسي والمؤسساتي لما للانتفاضة غير المسبوقة في تاريخ البلاد من وقع على وجدان السياسيين والمسؤولين على الحياة العامةالأمريكية.

مسؤولية ترامب
قبل اندلاع الهجمات ضد الكونغرس كان ترامب قد قام بعمليات طعن قضائي في 6 ولايات وأمام المحكمة العليا خسرها جميعا لأن كل المحاكم لم تجد أثرا وأدلة لما كان يزعمه فريق محاميه من تزوير للانتخابات. الطعون في هذه الحالة يسمح بها القانون وكان ترامب يمارس حقه الدستوري في ذلك ووجد تعاطفا ومساندة من بعض الجمهوريين المنحازين لخطه السياسي.وسبق في تاريخ الانتخابات الأمريكية أن قام بطعون مماثلة مرشحون سابقون في انتخابات عديدة آخرها وأشهرها المعركة القضائية بين المرشح الديمقراطي آل غور والمرشح الجمهوري جور بوش الإبن في انتخابات عام 2000. ويسمح القانون الأمريكي بتقديم طلب في عزل الرئيس وهو ما قام به الديمقراطيون ضد دونالد ترامب دون أن ينجحوا في ذلك.

لكن، حسب كبار المختصين في القانون الدستوري الأمريكي، قام دونالد ترامب بثلاث خطوات خارجة على القانون الأمريكي يجرمها القضاء. أولها عندما تدخل في العملية الانتخابية بمطالبته المسؤول الأول على الانتخابات في جورجيا بإيجاد 11750 صوتا لفائدته من أجل قلب الموازين لصالحه. ثانيا، أمام رفض المسؤول الجورجي اتصل دونالد ترامب بنائب الرئيس مايك بنس لمطالبته بعدم الإقرار بنتائج المجمع الانتخابي في الكونغرس يوم 6 جانفي كما تحتمه التقاليد الدستورية وأخذ قرار إعادة تنصيبه كرئيس للدولة، دون أن يفلح في ذلك. أخيرا قرر ارسال مناصريه الذين ينتمون لليمين المتطرف التابع لحركة «سيادة البيض» لفض اجتماع الكونغرس ومنعه من إعلان فوز جو بايدن بالانتخابات وهو ما حصل فعلا. في كل هذه الحالات لبس دونالد ترامب ثياب «الكاو بوي» الذي لا يلتزم بقوانين البلاد بل يفرض على الآخرين نزواته الشخصية ونظرته الأحادية للأشياء دون أي اعتبار للقوانين وللأخلاقيات العمل السياسي في النظم الديمقراطية.

تنديدات صارمة من الرؤساء السابقين
وندد عدد من الوجوه السامية في الدولة الأمريكية بعملية اقتحام الكونغرس وبطريقة البلطجة التي اتبعها الرئيس دونالد ترامب. وكان أول من أخذ الكلمة الرئيس المنتخب جو بايدن الذي اعتبر العملية «تمردا» على الدولة وأنها ليست «معارضة» سلمية يسمح بها القانون. وطالب في لهجة صارمة دونالد ترامب بمخاطبةمناصريه من أجل إيقاف ما سماه»الحصار» المفروض على الكونغرس. وكان له ذلك بعد أن نشر ترامب فيديو يطالب فيه المتظاهرين بالرجوع لديارهم في كنف الهدوء. العبارات المستعملة من قبل جو بايدن تشير إلى إدانة تدخل تحت طائلة القانون. وهي تفس العبارات التي استعملها الرؤساء السابقون بيل كلينتون وباراك اوباما وجورج بوش الذي ندد بالعملية وحمل دونالد ترامب مسؤوليتها. كذلك الرئيس الأسبق جيمي كارتر الذي اعتبر انها «مأساة وطنية لا تطابق ما نحن عليه كأمة»، وشمل ذلك عددا من النواب الديمقراطيين وحتى الجمهوريين. وذهب أحد النواب الجمهوريين إلى القول إن المشهد يشبه بـ«جمهورية الموز».
وكان الجميع ينتظرون تعامل نائب الرئيس مايك بانس مع الوضع. فقد سارع عند رجوع الكونغرس للإجتماع صباح يوم 7 جانفي بالتنديد بما اعتبره «تخريب» المقر مخاطبا المتمردين بقوله «لم تنجحوا». وأضاف «العنف لا ينتصر أبدا. الحرية تنتصر. هذا دائما بيت الشعب. ونحن نجتمع مجددا في هذه القاعة سوف يشهد العالم بصمود وقوة نظامنا الديمقراطي.» وهي كلمات حاولت تخفيف وقع الهجوم على النواب من أجل مواصلة العملية الديمقراطية. لكنها في نفس الوقت أعطت الانطباع للجميع أن ما حصل بمثابة آخر صيحة لسياسة ليس لها ما يؤصلها في النظام الديمقراطي الأمريكي.

إلى أين تمتد التحقيقات؟
أول التحقيقات العدلية المفتوحة تتعلق بمقتل 4 أشخاص وجرح أعوان من الشرطة وإيقاف أكثر من 60 متظاهرا داخل وخارج مبنى الكونغرس. كل هذه التحقيقات سوف تحدد المسؤولية المباشرة لعملية اقتحام مبنى الكونغرس. ولا يعرف إلى حد كتابة هذه الأسطر ماإذا قامت أجهزة الأمن بإيقافات إضافية أو إذا كانت هنالك نية في تتبعات أخرى للمشاركين في عملية الاقتحام. و تحدث الإعلام الأمريكي على فتح تحقيق بوليسي حول إخفاقات شرطة واشنطن في التصدي للاجتياح و معاملتها المتسامحة مع المتمردين في حين أظهرت أجهزة الأمن في السابق صرامة و قوة مع المتظاهرين من أجل الحقوق المدنية و خلال المظاهرات ضد العمليات العنصرية.
تحقيق ثالث سوف يقوم به الكونغرس في مرحلة ثانية حول الهجوم من أجل تحديد المسؤوليات. في هذا الإطار صرح أول وزير للدفاع في حكومة دونالد ترامب جايمس ماتيس أن «الهجوم العنيف ضد الكونغرس عمل لتقويض الديمقراطية الأمريكية عن طريق سلطة الجماهير وهو من تخطيط دونالد ترامب». تصريح مثير يفتح الباب أمام تطورات عدلية محتملة ضد الرئيس المتخلي بعد تولي جو بايدن الحكم.

ماذا بعد 6 جانفي؟
إثر ضغوطات متعددة من داخل البيت الأبيض ومن خارجه أرسل دونالد ترامب لأسوشياتد براس نصا يقر فيه ضمنيا بالهزيمة ويعدب» انتقال منظم للسلطة» يوم 20 جانفي المقبل. لكن ذلك لم يمنع أعضاء المكتب العدلي لمجلس النواب من تقديم مطلب رسمي لنائب الرئيس مايك بانس يطالبون فيه باستخدام البند 25 للدستور، الذي لم يستخدم من قبل، والذي ينص على إمكانية لإقالة الرئيس إذا أقر نائب الرئيس وأعضاء الحكومة بعدم امكانية مواصلة أعماله. في تلك الحالة يتولى نائب الرئيس مؤقتا السلطة حتى موعد تسليم مقاليد الدولة للرئيس الجديد.
13 يوما من الترقب لا يعرف أحد مصيرها. لكن الجميع في واشنطن يخشون من صرعة أخرى لقائد مهزوم سبق وأن أعطى الأدب العالمي نماذج لها من «الملك لير» للكاتب البريطاني شكسبير إلى «الأب أوبو» لألفراد جاري مرورا بمسرحية «كاليجولا» لألبار كامو. كلها مآس تخطف عقول السياسيين الذين لا يريدون مقاسمة السلطة مع أحد ويتمسكون بها إلى آخر رمق وفي كل الحالات تكون مأساوية ومضحكة في آن واحد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا