بعد عملية نيس الإرهابية، الرأي العام الفرنسي بين الخوف والغضب: المعارضة السياسية تنادي بمقاومة «الحرب الأهلية»

أدخلت فاجعة ذبح ثلاثة مؤمنين مسيحيين، امرأتين ورجلا، في كنيسة نوتر دام في مدينة نيس -يوم الخميس الماضي- الرأي العام الفرنسي في حالة من الخوف والغضب

لم تهدأ إلا بدخول البلاد في حالة حظر صحي شامل بداية من ليلة الخميس والذي أجبر كافة المواطنين على الاعتكاف في منازلهم لمقاومة انتشار فيروس كورونا. وفي نفس الوقت جند الرئيس ماكرون 4000 جندي إضافي لحماية دور العبادة والمدارس ورفع من درجة اليقظة الأمنية إلى أعلى درجة في برنامج «فيجي بيرات» الذي ينظم استخدام أجهزة الأمن لمقاومة أي أخطار ضد الأمن العام بما فيها التهديدات الإرهابية. وقد أعلنت الشرطة أنها ألقت القبض على شخص يبلغ من العمر 47 عاما للتحقيق معه ويشتبه في أنه كان على علاقة بالمشتبه به التونسي.

وقد بثت مختلف وسائل الإعلام شهادات للمواطنين الذين كانوا على عين مكان العملية الإرهابية وقد عبروا عن استنكارهم للعملية وعن ألمهم العميق أمام تكرار مثل هذه العمليات الهمجية. وكانت شخصيات الأحزاب اليمينية في مقدمة المنادين باتخاذ إجراءات صارمة تشمل المنظمات الإسلامية والمجموعات الإرهابية المقيمة في البلاد وكذلك المهاجرين غير النظاميين، مثل المشتبه به التونسي الذي دخل الى التراب الفرنسي بطريقة غير قانونية بعد أن وصل الى التراب الإيطالي في جزيرة لمبيدوزا.ولم تنقطع مشاهد التعاطف مع عائلات الضحايا و خاصة من قبل روزلين هامل أخت الأب جاك هامل القس الذي ذبح في كنيسته وهو يقوم بالقداس من قبل إرهابيين إسلاميين في جويلية عام 2016.

معارضة سياسية شرسة
ونادىكريستيان إستروز عمدة مدينة نيس، التي عانت من عمليات إرهابية في السنوات الماضية، بضرورة «القضاء نهائيا على الإسلام الفاشي» واعتبر أنه «حان الوقت الآن بالنسبة لفرنسا أن تتحرر من قوانين السلام» من أجل مقاومة الظاهرة الإرهابية. من ناحيته اعتبر ممثل الجهة في البرلمان إيريك سيوتي، وهو من حزب الجمهوريين، أن «الإسلاميين يريدون القضاء علينا ووجب القضاء على الإسلاميين.» وأضاف قائلا لوسائل الإعلام:»لأول مرة منذ الاحتلال (الألماني) فرنسا ليست حرة! بلادنا في حرب، نحن في حالة حرب!»
هذه العبارات المتشنجة تعبر عن أغلبية المواقف في الأحزاب اليمينية التي تنتقد -عادة- المواقف الرئاسية والتي تعتبرها متسامحة مع الإسلاميين في فرنسا، وبالرغم من هذه المواقف الحادة إلا مارين لوبان زعيمة التجمع الوطني نادت على عكس الأحزاب الأخر باستخدام الوسائل الديمقراطية للقضاء على الإرهاب ‘’الإسلامي’’. وهو موقف طريف من سياسية طالما نادت باستخدام وسائل عنيفة ضد العرب والمهاجرين والإسلاميين مثل الطرد و الإيقافات التعسفية. لكن موقفها هذا لا يخلو من انتهازية في إطار التحضيرات للانتخابات القادمة وهي تعمل على إضفاء صورة «رجل الدولة» على مسيرتها الملطخة سياسيا.

الجالية المسلمة
وجاء موقف محمد موسوي، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، في هذه الظروف واضحا منددا «بقوة بالهجمة الجبانة والهمجية التي قضت على ثلاثة من مواطنينا». و بعد أن عبر عن تعازيه لعائلات الضحايا و كل الفرنسيين أكد أن «كل مسلمي فرنسا يقفون في الصف الأمامي لمقاومة الظلامية و الإرهاب الذي يعتدي على بلادنا و مصالحها». و كان محمد موسوي قد عبر عن «نصرة مصلحة» البلاد بعد ذبح الأستاذ سامويل باتي قائلا:» فرنسا بلاد عظيمة. المواطنون المسلمون ليسوا مضطهدين فيها، يبنون مساجدهم بكل حرية ويتمتعون بكل حرية في تطبيق شعائرهم.» ولكنه أعرب عن عدم رضاه بذكر الكاريكاتور في المعاهد الفرنسية إثر قرار وزير التربية ذلك قبل أن يتراجع أمام الجدل الذي لحق تصريحانه ليؤكد على حرية التعبير والنشر و الكاريكاتير. أما عميد جامع باريس الأعظم، شمس الدين حافظ، الذي كان قد أعلن عن مساندته لبعث «اسلام الأنوار» تماشيا مع موقف ماكرون في مقاومة الإسلام السياسي، فقد نشر تغريدة على موقعه في موقع تويتر جاء فيها: « أندد بقوة بنداءات مقاطعة المنتوجات الفرنسية.» واعتبر أن هذه النداءات «نابعة من الذين استخدموا دائما الإسلام لأغراض سياسية. أطلب من كل المسلمين اليقظة في وجه هذه البروبغندا الكاذبة التي تهدف إلى تدنيس بلادنا، فرنسا.»

ولا زالت الجالية المسلمة في فرنسا تعيش حالة من الخوف من اعتداءات محتملة من قبل فصائل اليمين المتطرف التي تحركت في الأيام الماضية للاعتداء على بعض المساجد. وكان محمد موسوي قد طالب بغلق كافة الجوامع والمساجد في فرنسا قبل موعد دخول البلاد في حالة حظر صحي شامل ليلة الخميس. وكما هو معروف سوف تنكب مؤسسات الأمن والمخابرات في البحث عن مدبري العملية الإرهابية لأن عقيدتها تؤكد أن كل عملية إرهابية وراءها مدبر ومنفذ وأطراف لوجستية. لكن هذه المرة المشتبه بتنفيذه العملية تونسي قدم من إيطاليا مباشرة للقيام بفعلته وسوف تكون عمليات التقصي صعبة لأنها سوف تشمل حتما محيطه في فرنسا وفي إيطاليا وفي تونس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا