البريكست بعد الكورونا: أوروبا جهزت نفسها لطلاق «دون اتفاق» مع بريطانيا العظمى

أوضح مؤخرا ميشال بارنيه ،كبير المفاوضين الأوروبيين في مسألة «البريكست»، أن إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل مع بريطانيا العظمى بشأن

خروجها من الإتحاد الأوروبي «مستبعدة» بعد نهاية الدورة السادسة من المفاوضات مع الفريق البريطاني. وكان بوريس جونسن الوزير الأول البريطاني قد أعرب عن أمله في الانتهاء من المفاوضات في آخر شهر جويلية الماضي.. وسوف تستأنف المفاوضات يوم 17 أوت القادم على أمل أن يحصل تقدم في المسائل العالقة بسبب «خلافات جوهرية» حسب المفاوض البريطاني دافيد فروست و التي تشكل عائقا أمام التوصل إلى اتفاق نهائي.

وكانت بريطانيا قد قررت في شهر جوان الماضي عدم التمديد بمرحلة إضافية في المفاوضات في حين كانت بروكسل تأمل، مع تفاقم أزمة كورونا وتبعاتها الاقتصادية، في أخذ وقت إضافي للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يخص مبادئ سبل التبادل التجاري بين الطرفين وحل معضلة الصيد البحري في المياه البريطانية و الأوروبية من قبل صيادي الجهتين بعد أن تمكن الطرفان من حل مشكلة الحدود بين أيرلندا الشمالية، التي تخضع لبريطانيا العظمى، وجمهورية أيرلندا العضو في الإتحاد الأوروبي.

موقف بريطاني حازم
لكن الجانب الأوروبي وجد نفسه خلال المفاوضات أمام تعنت واضح من الفريق البريطاني المفاوض. و صرح كبير المفاوضين البريطانيين مايكل غروف : «نحن لا نعتقد أن تمديد فترة المفاوضات شيء إيجابي. سوف نخرج من الفترة الإنتقالية يوم 31 ديسمبر. وهو الموقف الذي سبق أن أعلنه الوزير الأول بوريس جونسون. وأضاف غروف :«هذا من شأنه أن يعطي وضوحا و قناعة للشركات و يمكنها من تحضير نفسها بطريقة ملائمة و مريحة لخروجنا من الإتحاد الأوروبي و نحن نسترجع سيطرتنا على الأوضاع».
وكانت المفاوضات قد استغرقت منذ شهر مارس أربع دورات دون التوصل إلى حل لكل المسائل المتعلقة بمسألة التبادل الحر. فقد حصل تباعد في وجهات النظر في خصوص طلب أوروبا ضمانات عدم المنافسة في مقابل اتفاق تجاري دون رسوم جمركية. وهو ما جعل كاتي بيري ممثلة أيرلندا في البرلمان الأوروبي تعتبر أن «البريطانيين يريدون التمتع بكل الامتيازات دون شرط بالرغم من أنهم ليسوا أعضاء في الإتحاد. نحن الآن في وضع ملازم لمكانه بصفة كلية.» وفي صورة عدم التوصل إلى اتفاق سوف تطبق بين الطرفين مبادئ المنظمة العالمية للتجارة التي تفرض رسوما جمركية عالية. وهو ما من شأنه أن يضعف اقتصاد الجهتين في ظروف ما بعد جائحة كورونا.

المسائل العالقة
المفاوضات الجارية لا زالت متعثرة في مسائل تتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون الصناعي والخدمات في ميادين النقل الجوي والبري و عبور الأشخاص والبضائع والأموال لحدود الجهتين، وكل ما بتعلق بحقوق المقيمين من شغل وحيطة اجتماعية وتعليم وصحة وغير ذلك من الميادين الحيوية التي هي اليوم تخضع لكثر من 3000 قانون أوروبي ينظم العلاقات في كل أجزائها بين دول الإتحاد الأوروبي.

وإن من أهم الميادين الإستراتيجية مسألة الدفاع المشترك التي تم تأسيسها ودعمها منذ عقود والتي تحتاج في المستقبل توضيحا بسبب تغير المشهد الجغرا-استراتيجي وانتقادات فرنسا لنظام الحلف الأطلسي وطلبها بتكوين نظام دفاع أوروبي حول القوة النووية الفرنسية. كما لم يحصل تقدم في شأن مستقبل الشركات المشتركة التي تعنى بصنع العتاد الحربي الإستراتيجي و التي لا يمكنها الاستمرار في حالة فتح الفضاء على المنافسة غير المنظمة. كل هذه المعطيات تضاف إلى تبعات جائحة كورونا التي هزت اقتصاد أوروبا و جعلت بروكسل تتدخل بميزانية إنقاذ ب 700 مليار يورو إضافة إلى 1200 مليار من ضمانات البنك المركزي الأوروبي.

رهانات المستقبل
القوة المالية الضاربة للاتحاد الأوروبي تعطي للمشهد بعدا جديدا تجد لندن نفسها أمامه دون دعم أوروبي كما كانت عليه الأوضاع. الفترة القادمة بعد جانفي 2021 سوف تكون انتقالية و لو أن البريطانيين عبروا عن عزمهم التحكم في مصيرهم. تواجه بريطانيا رغبات خارجية من أوروبيا و داخلية من بريطانيا تمثلت في رسالة مشتركة بعث بها كل من رئيسة وزراء أسكوتلندا نيكولا ستورجن والوزير الأول في بلاد الغال مارك درايكفورديطالبان فيها بوريس جونسن بتمديد الفترة الانتقالية من أجل تخفيف وطأة الطلاق مع تفاقم أزمة كورونا. لكن الموقف البريطاني الرسمي لم يتغير بل أشار إلى طلاق دون رجعة وهو ما يرجح إمكانية خروج بريطانية من أوروبا «دون اتفاق»، السيناريو الكارثي الذي يشغل بال الجميع.

في هذه الظروف، أوردت صحيفة «فايننشل تايمز» المطلعة على خبايا رئاسة الحكومة أن «نظاما انتقاليا خفيفا» يتم تحضيره من قبل السلطات البريطانية يتمثل في فرض حالة من التبادل العادي على الحدود لمدة الستة أشهر الأولى لعام 2021 يمكن فيها فرض تدريجي مرن للرقابة الجمركية على الحدود المشتركة مع أوروبا. في المقابل سوف تخضع المنتوجات البريطانية إلى رقابة كلية على الحدود الأوروبية. و صرح مصدر حكومي لوكالة فرانس براس في هذا الشأن: «نحن على وعي بتداعيات كورونا على المؤسسات الاقتصادية البريطانية، وعندما نسترجع سيادتنا في آخر السنة سوف نتخذ موقفا برغماتيا ومرنا لمساعدة الشركات على التأقلم مع المتغيرات و الفرص المتاحة خارج السوق المشتركة والوحدة الجمركية. هل ستكفي هذه الوعود لحماية اقتصاد بريطانيا في حين يجند البرلمان الأوروبي نفسه لمجابهة الوضع بحزمة شاملة من الإجراءات التشريعية والمالية لمساعدة مخطط المفوضية الأوروبية في حماية المصالح المشتركة؟ هذا ما ستجيب عليه الدورة القادمة للمفاوضات في منتصف هذا الشهر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا