بسبب العنصرية ... الديمقراطية الرأسمالية الأمريكية في مأزق

توفيق المديني
عبرت جملة واحدة «لا أستطيع التنفس» وهو ما كان يردده المواطن الأمريكي الأسود «جورج فلويد «مستعطفا رجل الشرطة الأبيض قبل وفاته،

عن العنصرية الأمريكية الحاقدة ،وفضحت كل ادعاءات الولايات المتحدة الأمريكية التي تتغنى بالحرية و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان، وهي تقتل الإنسان لا في عالم الجنوب فحسب، بل في داخل أمريكا.
إنّ الرأسمالية الليبرالية المتوحشة التي تقودها الإمبريالية الأمريكية على الصعيد الكوني،تسعى إلى السيطرة وليس إلى الحرّية و الديمقراطية،بل إنَّها عملت على لجم واغتيال حركات التحرر الوطني والقومي في الوطن العربي،وفي إفريقيا،وآسيا وفي أمريكا اللاتينية،وإعاقة تحديث وتصنيع بلدان العالم الثالث وأعاقت تنميتها المستقلة وهي تمارس أكثر أشكال النهب والاستغلال والقهر وحشية وفظاظة،في العراق وسورية،وليبيا،ودول الخليج .

مشروع أمريكي لغزو شامل للعالم
ومنذ انهيار المنظومة السوفياتية ومعسكرها الاشتراكي، وإعلان انتهاء مرحلة الثنائية القطبية التي حكمت النظام العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتبشير منظري العولمة بانتصار النموذج الاقتصادي الرأسمالي والأفكار النيو ليبرالية، وقيم «الديمقراطية» و«الحرية» على النموذج الاقتصادي الاشتراكي «المتحجر» و«المتهالك» وعلى الفكر الشيوعي «الشمولي» الاستبدادي «المصادر» لحرية الانسان. خرجت الإمبراطورية الأمريكية متربعة على عرش مرحلة جديدة من النظام العالمي فارضة نفسها امبراطورية لا تقهر، وشرطيًا عالميًا يعلو فوق القانون، وقوة اقتصادية تسعى لاختزال العالم إلى مجرد سوق تابع لها، ونموذجًا حضاريًا حياتيًا يختزل كل المعاني بمعايير المصلحة المادية ومقاييس الربح و الخسارة.

لقد جعل غرور القوة وغطرسة العظمة هذه، في أمريكا خاصة ، والغرب عامة والمتراكمة منذ الانتصار التاريخي على الكتلة الشيوعية المنهارة- الذي صوره فرانسيس فوكوياما على أنه الانتصار النهائي للحضارة الغربية الرأسمالية، جعل السياسة الأمريكية اليوم تنساق فكرًا وسلوكًا في تصنيع النظم و فرضها(العراق وليبيا)، وتنصيب الحكام بالقوة القاهرة، تماما كما تنساق الدول النامية والفقيرة بالمنطق نفسه الذي يريد تكرار التاريخ بالنص ولا يتعلم من أخطائه السابقة.نحن في الوطن العربي نعرف هذا التاريخ جيدا ، و خاصة من 1945 وإلى غاية يومنا هذا. وليست الحضارات الظالمة ضد الشعوب العراقية والليبية والسودانية ،والدعم المطلق للكيان الصهيوني في حرب الإبادة والاقتلاع للشعب الفلسطيني من أرضه سوى أمثلة حية وشاهدة على هذا السياسة الأمريكية المنفلتة من عقالها .
المنطق والعقل يقولان لم اكتسبت الولايات المتحدة الأمريكية كل هذا الكم الهائل من الكراهية من الشعوب والأمم المضطهدة ؟ والعقلانية تقتضي البحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت بالولايات المتحدة إلى هذا التدهور ؟

إنَّ السياسة الأمريكية تقوم على دعامتين :
الأولى،إنَّ الإدارة الأمريكية تمارس العنف، وتستخدم القوة في فرض سطوتها على العالم .
الثانية،الرياء،وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تحاول دائما أن تتغطى بالرياء، مادامت تستطيع ذلك. ولذلك فان استخدام القوة الغاشمة ،والمتاجرة بالسلاح ، وتعميم القتل، والتغطية على جرائم الكيان الصهيوني،وتبرير سياسته الإرهابية ،يترافق مع الحديث عن الديمقراطية و حقوق الإنسان.
في عصر العولمة الليبرالية المتوحشة تعتبر الدول الرأسمالية الغربية،وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية العدو الرئيس للديمقراطية لا في داخل الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ،أو ما يسمى مركز النظام الرأسمالي العالمي فحسب،بل في معظم بلدان عالم الجنوب، أوما يسمى أطراف النظام العالمي أيضًا،ويبدو أنَّ إمكانيات الإنتقال الديمقراطي في البلدان العربية ما بعد ما يسمى “الربيع العربي 2011” تتناسب عكسًا مع الهيمنة الإمبريالية بوجه عام، ومع هيمنة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية على النظام الدولي بوجه خاص.

غير إنَّ الإسلام السياسي الذي يدعي زورًا وبهتانًا أنه مفجر “ثورات الربيع العربي “أصبح متحالفًا مع الولايات المتحدة الأمريكية ،وتحول طيلة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين إلى أحد الركائز الأساسية في المخططات الإمبريالية الأمريكية والصهيونية والتركية في سبيل تفكيك الدول الوطنية العربية، بدءًا من سوريا والعراق والسودان مرورًا بليبيا وتونس والجزائر،ذلك أنَّ مفهوم السيادة الوطنية قد شاخ وأصبح باليًا حسب رأي الإمبرياليين الأمريكيين والصهاينة وعملائهم من حركات الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية والإنفصالية التي تستهدف “تفكيك” الثقافات الوطنية والمؤسسات الوطنية المناهضة للإستعمار و الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
ومنذ أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها على النظام العالمي عملت على صياغة العالم على شاكلتها ومثالها.فأمراض الرأسمالية الأمريكية المتوحشة تتجسد في أربع ظاهرات أساسية:

أولاً:العنصرية بوصفها أحد أسباب الانفجار الشعبي الأمريكي
شكل مقتل المواطن الأسود «جورج فلويد”، جراء عنف الشرطة، الأسبوع الماضي جريمة عنصرية جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية، تشير إلى تجذُر العنصرية بجميع أشكالها في أمريكا رغم النصوص الدستورية التي تحرم ذلك.فالحكام الفاشيون في الإدارت الأمريكية المتعاقبة ,مارسوا سياسة القمع الداخلية تجاه الشعب الامريكي نفسه ،الذي يُعَدُّ قطيعًا من البقر في نظر حكامه. ولا يرى رجال الإدارة الأمريكية سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية في المواطنين الأمريكيين سوى بقر تمكن قيادتها كقطيع من ناحية نفسية إلى أي اتجاه يرغبون به مستخدمين الأكاذيب لتحويلهم إلى مواطنين أغبياء تتدفق الضرائب منهم لصالح الحكام الفاشيين.

كما أنَّ المجتمع الأمريكي المستند إلى قاعدة حضارية هشة، تتحكم فيه العصبية الطائفية للبيض الأنغلوساكسون،التي تعبر عن المبدأين المتنافسين : التمييز العنصري و العمومية. فالمجتمع الأمريكي عبارة عن تجمع ناتج عن اندماج المهاجرين الذين قدَّمتهم جميع الشعوب الأوروبية. وقد أظهرت النواة الإنقليزية الأولى قدرة مطلقة على امتصاص أفراد من إثنيات مختلفة. وبعد أن توقفت الهجرة خلال النصف الثاني من العشرينات ،استؤنفت في الستينات، وشملت هذه المرَة أفرادًا من آسيا و أمريكا الوسطى و الجنوبية.

وفيما بين 1950-1965 حدث توسع جديد إذ قبل الآسيويون والهنود المحليون كأمريكيين تماما بكامل حقوقهم، وفي الوقت عينه طرحت مسألة السود نفسها مجددًا، وتسببت بظهور توتر شديد بين العمومية و التمييز العنصري: فعلى المستوى الوعي السياسي، حاولت حركة النضال من أجل الحقوق المدنية دمجهم في الفضاء المركزي، وعلى مستوى اللاوعي للمعتقدات العميقة لم يتغير الوضع شيئا، ولم ينقص التمييز العنصري ضد النساء السوداوات بالنسبة إلى الزواج إلا ما ندر.

ولا زالت بعض المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك وواشنطن وشيكاغو وميامي، تقسم فيها الأحياء السكنية حسب الجذور الإثنية، ويختار المواطن الأمريكي مكان سكنه حسب اللون وليس الدخل. كما أنَّ أسعار المساكن في المدن الرئيسية تحدد حسب جذور سكان الحي.

على الصعيد المالي، تشير تقارير أمريكية إلى أنَّ العنصرية الاقتصادية في أمريكا أصبحت مؤسسة متكاملة تمارسها البنوك والشركات وأسواق المال، وكذلك في الفرص الوظيفية المتاحة في الأعمال التجارية.وبالتالي يتزايد الغبن الاجتماعي وسط السود والأقليات في الولايات المتحدة ويهدد بتمزق المجتمع الأمريكي وحدوث ثورات شعبية غاضبة.
على صعيد العنصرية التجارية والمالية التي تمارسها المصارف ومؤسسات القروض في أميركا ضد السود، يقول تقرير صادر عن مصرف الاحتياط الفدرالي، البنك المركزي الأمريكي، للعام الجاري، إن أصحاب الأعمال التجارية من السود حينما يتقدمون بطلبات للمصارف التجارية للحصول على تمويل لأعمالهم التجارية، يحصلون على التمويل بنسبة فائدة أعلى من نظرائهم البيض،وأعلى كذلك من منافسيهم وذوي الأصول الآسيوية.

ويلاحظ أنَّ ثروة المليارديرات في أمريكا الذين يتكون معظمهم من البيض ارتفعت بحوالى 282 مليار دولار بين 18 مارس و10 نيسان 2020،في ذات الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة البطالة في أمريكا إلى 40 مليون عاطل جزء كبير منهم من السود ومن الأقليات العرقية الأخرى. وفي ذات الشأن، يشير مسح أجرته صحيفة «واشنطن بوست» في ماي الماضي إلى أنَّ 20% من ذوي الأصول الإسبانية و16% من السود فقدوا وظائفهم خلال جائحة كورونا الحالية مقارنة بحوالي 11% من البيض.

ثانيًا:دور العبيد السود في تطور الرأسمالية الأمريكية
يعود تاريخ العبودية للسود في الولايات المتحدة الأمريكية إلى نشوء زراعة القطن في الجنوب الأمريكي في القرن التاسع عشر، حيث أسهمت تجارة العبيد السود من أصل إفريقي في نشوء العديد من الأسس الاقتصادية لأمريكا ،التي ساهم بعضها، بشكل أو بآخر، في بروز قوة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.وكانت الولايات المتحدة، إبان الانقسام الحاد بين الشمال والجنوب، ومن ثم الحرب الأهلية، في القرن التاسع عشر، لم يكن لديها عملة موحدة وبنك مركزي واحد.

كانت العبودية تضيف إلى العمال البيض ما أطلق عليه دبليو إي بي دوبوا «مكافأة شعبية ونفسية”، تسمح لهم بالتجول بحرية مطلقة والإحساس بأن لهم حق التميز.ولكنَّ حتى هذا الأمر كان يخدم مصلحة المال، إذ كانت العبودية تتسبب في انخفاض أجور العاملين.
لم ينجم عن ذلك فقط انعدام المساواة وزرع الشقاق ما بين العمال أنفسهم، بل كان “كل ما عدا الرق يبدو حرية”، كما كتب المؤرخ الاقتصادي ستانلي إنغرمان. كان البيض يشعرون بسبب ما يشاهدونه من فظاعات ترتكب بحق العبيد بأن ما هم عليه من حال ليس الأسوأ، فكانوا يقبلون عموما بأوضاعهم، وباتت الحرية الأمريكية تعرف بشكل عام على أنها كل ما ناقض العبودية، كانت حرية تفهم ما الذي كانت في مواجهته وليس ما الذي ينبغي أن تكون عليه، وكان نمطا  من الحرية سيئ التغذية، نمطا خسيسا، يبقيك خارج الأغلال ولكن لا يوفر لك لا الخبز ولا المأوى. كانت تلك حرية شكلية.

ثالثًا:الصهيونية
في الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الدعم غير المشروط الذي تقدمه الإمبريالية الأمريكية للكيان الصهيوني، لا دعمًا لدولة أجنبية، بل هو دعم لدولة لا تعدو كونها مظهر من مظاهر الفاشية الإمبريالي إنَّ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة الكيان الصهيوني، متفقتان على تفتيت الوطن العربي،وإخضاع كل القوى فيه . كالاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، والتدخل الأطلسي في والحرب الكونية ضد سوريا ، و حرب الإبادة الصهيونية التي يشنها الحكام الفاشيون الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، واحتمالات القيام بمعارك جديدة أوسع و أشرس ضد العرب .وتخدم هذه الحملة الكيان الصهيوني والإمبريالية الأميركية ، لأنهما يعملان من أجل تصفية الصراع العربي- الصهيوني، وبالتالي تصفية

القضية الفلسطينية.

مشهد الغضب العارم في عموم الولايات المتحدة، على خلفية مقتل المواطن الأسود «جورج فلويد”،جراء عنف الشرطة، الأسبوع الماضي،واستمرار الاحتجاجات بوتيرتها الغاضبة حاليا، وتسببها بتغيير مشهد الولايات المتحدة الذي عرفه العالم منذ عقود، وموت في طول أمريكا وعرضها ما لا يقل عن مائة ألف شخص من مرض لم يسمع به أحد تقريبًا في العام الماضي، وارتفاع معدلات البطالة إلى حوالي 40مليون عاطل عن العمل، بسبب وباء كورونا الذي كشف عن جريمة انعدام المساواة في قطاعات الصحة والاقتصاد، وجموع من المراهقين لا يجدون ما يفعلون،وعنف الشرطة، واليمينيون الذين يتوقون إلى شن حرب أهلية ثانية،ورئيس عنصري متحفز لصبِّ الزيتِ على كل واحدة من هذه النيران،كل هذه العوامل تقود إلى إنَّ الإمبراطورية الأمريكية قد دخلت في طور الأفول،لأنَّها لا تقدم أية أجوبة سياسية للتحدّيات التي يواجهها العالم ، ولا تمتلك أي مشروع سياسي و اقتصادي تقدمه للعالم الثالث.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا