جدل في فرنسا حول احترام الحريات في ظل قانون الطوارئ الصحي: تسجيل 5 قتلى بسبب التدخل البوليسي لمراقبة الحظر الصحي

شرعت البلدان الأوروبية في مرحلة رفع حالة الحظر الصحي تدريجيا يوم 4 ماي مع بدء المرحلة الثانية من مقاومة فيروس كورونا في ألمانيا

و إيطاليا و النمسا و البلدان الإسكندنافية، وذلك لتمكين المؤسسات الاقتصادية من الرجوع إلى سالف نشاطها. وقررت باقي الدول تمديد الحظر إلى يوم 11 ماي بما فيها فرنسا التي تشهد غليانا على مستوى وسائل الإعلام في مسألة احترام الحقوق العامة و الفردية في ظل قانون الطوارئ الصحي الذي قررت الحكومة تمديده إلى 23 جويلية 2020.
وكانت الحكومة الفرنسية قد حصلت على موافقة البرلمان و مجلس الشيوخ لفرض حالة الطوارئ الصحي التي مكنت السلطات من تطبيق جملة من الإجراءات الصحية مثل التباعد الجسدي و غسل اليدين و حمل الكمامات و غلق المؤسسات التربوية و الرياضية و الثقافية و الاقتصادية والإدارية وفرض عدم التنقل في الشوارع بدون رخصة. ولئن قبلت في البداية

مختلف الفئات الاجتماعية هذه الإجراءات القانونية الزجرية، -ومع تراجع انتشار الفيروس و مرور 45 يوما من الحظر- دخل الرأي العام في جدل واسع حول التعامل الديمقراطي في إدارة حالة الوباء بين مدافع على احترام الحريات و قابل بالإجراءات لضمان الإفلات من الفيروس كما أقره الأطباء و المختصون في شأن مراقبة تطور حالة الوباء و الباحثون الاجتماعيون في عدة تقارير، ضرب فيروس كورونا في أغلب الحالات الأحياء الفقيرة و ضواحي المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية من سكان من أصل إفريقي أو عربي أو برتغالي. و وصلت نسبة الإصابات بكورونا إلى 60 % في بعض الأحياء مثل الضاحية الباريسية «سان دوني». و تشير التقارير أن نفس النسبة تقريبا تتعلق بالوفيات في صفوف الفقراء. و شهدت وسائل الاتصال الاجتماعي نشر تسجيلات فيديو لحالات تدخل الشرطة التي أضفت إلى وفاة عدد من المواطنين من جراء المتابعة البوليسية.

5 قتلى في ارتباط مع أعوان الشرطة
ونشرت الصحف الجهوية أخبارا تعلقت بموت 5 أشخاص خلال شهر أفريل في عدة مدن من التراب الفرنسي بعد تدخل قوات الشرطة لمراقبة المارة و مستعملي الطريق. و ذكرت بالخصوص جريدة «لوباريزيان» وقوع 3 حالات يوم 10 أفريل، الأولى موت محمد القابسي، وهو أب لثلاثة أولاد، في مدينة «بيزيه» بعد أن تم إيقافه في وقت منع التجوال الذي فرضته البلدية و إيداعه مركز الشرطة. وتوفي الشخص الموقوف داخل المركز دون أن تعلم الصحف على مصير الأبحاث. والحالة الثانية تعلقت بوفاة شخص يدعى «بوريس» في مدينة «أنغولام» رمى نفسه في نهر «لا شارانت» هروبا من الشرطة. وفي نفس اليوم نشرت جريدة «لا فوا دي نور» خبر موت سائق لسيارة في حادث سيارة بعد فراره من عملية المراقبة البوليسية في مدينة «كومبري» و أدخل مرافقه على متن السيارة إلى المستشفى في حالة حرجة.

ثاني حالة موت داخل مركز الشرطة سجلت في مدينة «روان» يوم 15 افريل حسب الجريدة اليومية «باري نورماندي» ذهب ضحيتها رجل في سن الستين تم إيقافه في حالة سكر في الطريق العام. و في نفس اليوم قامت الشرطة في ضاحية «لاكورناف» الباريسية بتصفية مهاجر أفغاني اعتدى بسكين على شرطي و أطلق عليه الأعوان ثلاث طلقات نارية أردته قتيلا. و تتواصل الأبحاث في كل هذه الحالات. لكن في السابق، و خصوصا مع أزمة السترات الصفر، كان الإفلات من العقاب في خصوص أعوان الشرطة هو القاعدة و ليس الإستثناء.

واندلعت في عديد الضواحي الفقيرة أحداث شغب وعنف تجاه الشرطة مثل تلك التي حصلت في «فيل نوف لاغاران» و التي تضرر من أجهلها شاب بعد أن حطمت الشرطة سيارته النارية. و قام شباب في أحياء مدينة تولوز الجنوبية و ضاحية «أولني سو بوا» و «سان ساندوني» قرب باريس بحرق المطاطات ورمي الشرطة بالحجارة و كوكتيل مولوتوف. و أعطت مشاهد المواجهات التي بثت على شبكة فيسبوك مثالا صارخا على تدهور الأوضاع الاجتماعية بسبب الانتقادات الموجهة لأجهزة الشرطة التي اعتبرتها بعض الجمعيات و القوى السياسية المعارضة و النقابية بأنها تعتمد سياسة عنصرية تستهدف بالأساس الأجانب و المهاجرين.

14 مليون حالة مراقبة
و تجسم الحضور البوليسي في شوارع فرنسا في مناسبة حملة مراقبة الحجر الصحي إذ أشارت الإحصائيات الرسمية لوزارة الداخلية أن مختلف السلطات الأمنية قامت منذ بداية الحجر إلى أواخر شهر أفريل بما يفوق 14 مليون حالة مراقبة للمترجلين و المارة و السيارات و العربات النارية في الشوارع. و تم ضبط مخالفات للقانون رفعت الشرطة في شأنها أكثر من 831 ألف حلة مخالفة. مع العلم أن قيمة الغرامة المالية تتراوح بين 135 يورو و 1500 يورو لمن تعمد تكرار المخالفة. و اعتبر المحللون أن فرنسا، خلافا لما قامت به باقي البلدان الأوروبية، اعتمدت نهجا زجريا تسلطيا في إدارة الأزمة الصحية.

و اندلع جدل آخر تعلق بمنظومة «كوفيد +» الإلكترونية التي تعتزم السلطات استخدامها عبر الهواتف الجوالة لرصد المرضى حاملي فيروس كورونا و التثبت من تنقلاتهم حتى تتمكن قوات المراقبة من منعهم من نقل الفيروس لأشخاص أخرى. و بالرغم من تحفظات الهيئة الوطنية للمعلوماتية والحريات فقد أقرت الحكومة العمل بهذه التطبيقة الإلكترونية على أن تستخدم على أساس تطوعي. و لم يمنع القرار انتقادات المعارضة السياسية و الجمعيات الحقوقية التي تخشى استخدام وزارة الداخلية هذه المعلومات لمراقبة المواطنين على غير حق.

المعارضة السياسية تستفيق من سباتها
وبعد سبات عميق انطلق مع ظهور الوباء وفرض حالة الحظر الصحي لم تلق فيه المعارضة السياسية مكانا للتعبير عن معارضتها للسياسة المتبعة، انطلقت تدريجيا الإنتقادات مع عدم قدرة الحكومة على توفير الكمامات وأجهزة الوقاية الصحية. وتعمق الجدل مع قرب موعد رفع حالة الحظر. وفي إطار تقديم مشروع قانون رفع الحظر رفض مجلس الشيوخ المكون من أغلبية يمينية التصديق على القانون الحكومي في خطوة لاسترجاع صوت المعارضة أمام زحف السلطات الحكومية و اكتساحها مختلف وسائل الإعلام يوميا لتقديم المعلومات و التوصيات وللتعليق حول تطور الأوضاع الصحية.

وقامت صحيفة «لوموند» الباريسية في خطوة غير معهودة بنشر افتتاحية يوم 4 ماي فيها تنبيه من خطورة الوضع المتعلق بالحريات و تدعو إلى «حماية الحريات العامة خلال وباء كورونا» مستنكرة «تفاقم الإجراءات التسلطية» معتبرة أن فرنسا تعيش «حالة استثنائية منذ 23 مارس» تم تمديدها إلى 23 جويلية تعطي الحكومة «سلطات استثنائية» وجبت مراقبتها للحفاظ على الحريات و النظام الديمقراطي. وهي أول مرة تنبه الصحيفة الشهيرة على المستوى العالمي إلى خطورة تدهور وضع حقوق الإنسان في فرنسا في إطار مقاومة فيروس كورونا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا