في خطاب للفرنسيين... ماكرون يقرر بدأ الخروج من الحجر الصحي يوم 11 ماي: إلغاء ديون البلدان الإفريقية ورسم صورة ما بعد كورونا

للمرة الرابعة بعد اندلاع وباء فيروس كورونا، توجه الرئيس إيمانويل ماكرون يوم الاثنين 13 أفريل للشعب الفرنسي بكلمة منتظرة قرر فيها الخروج التدريجي

من حالة الحجر الصحي ابتداء من يوم 11 ماي المقبل ومواصلة الالتزام بقانون 23 مارس الذي ضبط أساليب مقاومة وباء كورونا – الذي خلف 15 ألف قتيل إلى حد اليوم - و من ذلك الحجر المفروض على المواطنين في كامل التراب الفرنسي. وبالرغم من تمديد حالة الحظر لمدة أربعة أسابيع إضافية فإن الخطاب لاقى ترحيبا من الرأي العام بسبب لهجته الإنسانية التي أكدت الحرص على التضامن ومواصلة وقوف الدولة إلى جانب الشغالين ورجال الأعمال مع إدخال بصيص من الأمل في نفوس المتفرجين على شاشات التلفزيون العمومية والخاصة التي نقلت الخطاب والذي قدر عددهم بأكثر من 36 مليون مشاهد. وشمل الخطاب إعلانه المفاجئ على إلغاء ديون البلدان الإفريقية لمساعدتها على مقاومة الوباء.
وكان خطاب ماكرون منتظرا بعد أن أعلنت اسبانيا و إيطاليا و ألمانيا على الشروع في تسهيل عملية رجوع العمال إلى مواطن شغلهم مع ظهور بوادر لتراجع وباء كورونا. وكان ماكرون قد قام بعديد المشاورات والاتصالات بالأطباء والباحثين والزعماء السياسيين و النقابيين للتشاور و تبادل الآراء المتعلقة بإدارة الأزمة و السبل الكفيلة للخروج منها. وعبر لأول مرة عن وعيه بأن الوباء ضرب الفئات الضعيفة في المجتمع بصفة أعمق من غيرها و أكد على أن الدولة سوف تقف إلى جانب ضعاف الحال مستخدما جملة من إعلان حقوق الإنسان و المواطن للثورة الفرنسية لعام 1789 الذي أقر في بنده الأول أن «الفوارق الاجتماعية لا يمكن أن تبنى إلا على المصلحة المشتركة».

إجراءات الخروج من الحجر الصحي
أهم إعلان بالنسبة للرأي العام تعلق بقرار الدخول في مسار رفع الحجر الصحي تدريجيا ابتداء من 11 ماي القادم وذلك بفتح المدارس و المعاهد الثانوية والحاضنات ورياض الأطفال مع الإبقاء على غلق الجامعات. وسوف تضبط الحكومة نسق الرجوع إلى الدراسة والتوزيع الجغرافي المتبع. وهو إجراء الهدف منه «العودة إلى العمل و إعادة عجلة الاقتصاد والتجارة و الخدمات» أي المحافظة على النسيج الاقتصادي للبلاد، مع شروع البلدان الأخرى في استرجاع نشاطها الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة احترام المسافات الواقية وحمل القفازات وغسل اليدين. وقرر في نفس الوقت الإبقاء على غلق الحدود في وجه الدول غير المنضوية في الإتحاد الأوروبي إلى موعد غير محدد.
ولم يخف ماكرون التخوفات من نكسة محتملة في صورة التسيب، خاصة بعد أن اعترف بتقصير في إدارة الأزمة وببعض النقائص فيها، لكنه خاطب الشعب الفرنسي بصراحة وأكد على تقديره لالتزامه بالمسؤولية و احترامه للإجراءات الصحية. و اعتبر أن مقاومة الوباء هي عملية جماعية وأن مستقبل البلاد سوف يضبط جماعيا مشيرا إلى أن استقطاب «اليمين» و«اليسار» لم يعد له معنى بل أن المهم يكمن في التضامن وإعادة تشكيل العقد الاجتماعي على أساس الاستقلال الاقتصادي و الصحي والعمل على توحيد الشركاء في الإتحاد الأوروبي. و أشار إلى أنه في انتظار اكتشاف لقاح ضد فيروس كورونا فإن الدولة أقرت ميزانية ضخمة لمساندة البحوث العلمية للتوصل في أقرب الآجال إلى القضاء على الوباء. و يعتقد الملاحظون أن فرق البحوث على وشك الإعلان على توصلها لاكتشاف أدوية تقاوم الفيروس و أن ذلك سهل عملية اتخاذ قرار الخروج من الحضر الصحي و لو أن جملة الفضاءات الجماعية (مقاهي ومطاعم و دور ثقافة و سينما وملاعب) تبقى مغلقة إلى موعد لاحق.

 

 

إلغاء ديون البلدان الإفريقية
وتطرق الرئيس ماكرون إلى ضرورة مقاومة الوباء على المستوى العالمي منوها بالجهود العلمية المبذولة في مختلف البلدان و في مقدمتها أوروبا. و نوه كذلك بالإجراءات الأوروبية الأولية المتخذة خلال الأسبوع لدعم اقتصاد البلدان الأعضاء و في مقدمتها البرامج المدعمة من قبل المفوضية والبند المركزي الأوروبي. و أكد على ان الجميع «أمام حقيقة تفرض شجاعة أكثر في مرحلة إعادة البناء».
و أعلن ماكرون من بين الإجراءات المتخذة عن قراره إلغاء ديون البلدان الإفريقية و إعانتها على مقاومة فيروس كورونا و كذلك على الوقوف إلى جنبها في محنتها الإقتصادية. ومن الطبيعي أن يعبر الرئيس الفرنسي عن تضامنه للبلدان الإفريقية التي تربطها بفرنسا علاقات تاريخية. لكن قراره إلغاء الديون يعتبر خطوة جريئة طالما نادت بها الدول الضعيفة والصغرى بدون أن تجد أي صدى. مع تفاقم عبء الأزمة الصحية يبدو أن الرئيس ماكرون أظهر وجها جديدا أكثر حرصا على البعد الاجتماعي و الإنساني في حين أعطى في بداية ولايته – و بالخصوص مع أزمة «السترات الصفراء» انطباعا بأنه يقف إلى جانب رجال الأعمال أكثر من حرصه عل الفئات الضعيفة. و يندرج هذا القرار المفاجئ في إطار التحضير لما بعد أزمة كورونا.

عالم ما بعد فيروس كورونا
للمرة الثانية منذ اندلاع الأزمة الصحية الدولية يتطرق الرئيس ماكرون – وعلى غير عادته – إلى مسألة تغيير النظام القائم في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذه المرة كرر مجددا «ضرورة تحضير ما بعد الأزمة في الأسابيع القادمة « و«إعادة بناء اقتصاد أقوى من أجل إعطاء الأمل للشغالين و رجال الأعمال و الحفاظ على استقلالنا المالي. لا بد من إعادة بناء استقلال زراعي وصحي وصناعي وتكنولوجي فرنسي مع دعم استقلالية إستراتيجية لأوروبا». وأشار إلى ضرورة بناء إستراتيجية على المدى البعيد تساعد على التخطيط و حماية البيئة و الوقاية و الصمود أمام الأزمات القادمة.» وهي عبارات غير معهودة في خطابه وتنتمي إلى مفردات اليسار الاجتماعي والإيكولوجي. لكنه اعتبر أن ذلك يتطلب الخروج من المواقف الإيديولوجية وإتباع نهج التغيير من أجل الإبداع ودعم وحدة المشروع الفرنسي والعيش المشترك. وهو ، حسب المحللين في باريس، الأوجه الأولى للمشروع الرئاسي الجديد في إطار إعادة ترشحه لولاية ثانية في صورة نجحت البلاد من الخروج من أزمة كورونا في أحسن الظروف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا