الإتحاد الأوروبي في مهب الريح بين وباء كورونا و كابوس الانحلال: انقسامات داخلية حول مسألة «التضامن الأوروبي»

في حين أصبحت القارة الأوروبية المركز الأساسي لتفشي فيروس كورونا في العالم بتسجيل أكثر من 500 ألف حالة إصابة،

دخلت بلدان الإتحاد الأوروبي في جدل عميق حول عدم قدرة المفوضية الأوروبية و الدول الأعضاء على تجسيم التضامن مع البلدان المتضررة و في مقدمتها إيطاليا و اسبانيا التي سجلت أكثر من 100 ألف حالة في كلا البلدين. و شهدت شوارع إيطاليا مشاهدة جديدة لحرق العلم الأوروبي، تناقلتها وسائل التواصل الإجتماعي، و أخذ بعض العمد في المدن الشمالية التابعة لأغلبية يمينية قرار نزع العلم الأوروبي من أعلى مباني البلديات في وقفة رمزية ضد ما يعتبرونه تخلي الإتحاد عن واجب التضامن في حالة الحرب على الوباء.

و كانت بعض الدول الأوروبية، و في مقدمتها ألمانيا و فرنسا، قد رفضت منح أي مساعدة لإيطاليا عند استفحال الأزمة. بل شاهد المواطنون الإيطاليون على شاشات التلفزيون وصول الإعانات بالطائرات من الصين و روسيا و كوبا و ألبانيا. و لم تتحرك باقي الدول ال 26 الأوروبية لمناصرة روما في محنتها. و تشكل إيطاليا – وليست البلد الوحيد في هذا الموضوع - رمزا يدل على فشل السياسات الأوروبية في ميدان الصحة و الإغاثة و عدم تحرك الإتحاد في إطار التضامن الذي يقتضيه فرض فضاء أوروبي مفتوح على أساس اتفاق شنغان.

من المعاناة إلى الرفض
و عبر الرأي العام الإيطالي، عبر وسائل الإعلام و التصريحات الرسمية، عن استيائه من هذا الوضع. و يمكن تلخيص ذلك في ما صدر في أحد الصحف الإيطالية من تساؤل: «لما يصلح الإتحاد الأوروبي إذا لم يقف بجانب الشعب الإيطالي في أكبر كارثة يمر بها في تاريخه منذ الحرب العالمية الثانية؟» تساؤل أصبح يشاطره القادة الإيطاليون والأوروبيون صراحة. من ذلك أن حذر ، في منتصف شهر مارس، ماتيو رانزي و انريكو ليتا رئيسا الوزراء السابقين من مغبة عدم التضامن مع إيطاليا . لكن لم تحرك بروكسل و الدول الأعضاء ساكنا.

و مع تفاقم الوضع و دخول اسبانيا هي الأخرى في أزمة حادة انتقلت الأنظار إلى القادة الأوروبيين الذين قرروا عقد قمة المجلس الأوروبي في 26 مارس. و شهدت القمة انقساما حادا بين دول شمال أوروبا بقيادة هولاندا و دول جنوب الإتحاد المتضررة من وباء كورونا. و كان الموقف الهولندي ، الرافض لأي عملية تضامن مشتركة تفتح الباب أمام بعث سندات مالية أوروبية لمقاومة الأزمة ، بمثابة «الطعنة في الظهر» حسب عبارة الصحافة الإيطالية. و عبر رئيس المفوضية الأوروبية السبق رومانو برودي عن استيائه من هذا الرفض المتكرر من هولاندا قائلا: «عندما يأتي الوباء، إذا لم يكن هنالك تضامن ما معنى لأوروبا؟»

مفترق الطرق
على المستوى الأوروبي تعالت الأصوات من فرنسا و البرتغال واسبانيا للتنديد بالموقف الهولندي الذي يخفي جبهة رفض واسعة تشارك فيها ألمانيا و النمسا و الدنمرك والسويد و فنلندا. و عبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة التوصل إلى حل مشترك في حين صرح رئيس المفوضية الأسبق جاك دي لور (94سنة) عن تخوفه من أن يفضي عدم التضامن إلى «خطر قاتل» للمشروع الأوروبي. و أكد نفس الموقف برونو لو مار وزير المالية الفرنسي يوم الجمعة 3 مارس لراديو «أر أف إي» عندما قال: «نحن اليوم في مفترق الطريق: إما أن نواصل ونبرهن على تضامننا بصورة ملموسة تجاه البلدان المتضررة من الفيروس وإما أن نرجع إلى أنانيتنا القومية و في هذه الحالة لن تنهض أوروبا و سوت تموت أوروبا و تنتفي منطقة اليورو.»

و كانت أورسولا فان در لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية قد أعلنت الخميس 2 أفريل عن تقديم 100 مليار يورو محزمة لإعانة الدول الأوروبية على مواجهة الوضع بتخصيص تعويضات و إعانات للعمال و الموظفين الذين خسروا مواطن شغلهم. لكن ردة الفعل الفرنسية والإيطالية كانت سلبية. فرنسا تريد إرساء ميزانية أوروبية قدرت ب 240 مليار يورو على الأقل. وهي مصرة على إعادة هذا المقترح في مجلس وزراء مالية الإتحاد الذي سوف ينعقد يوم الثلاثاء القادم. أما إيطاليا فصرحت على لسان رئيس حكومتها جيوزيبي كونتيه، ردا على رئيسة المفوضية، أنه من الضروري «عدم القيام بأخطاء مأساوية» و أنه «حان الوقت بأن نبرهن على طموحنا و وحدتنا و شجاعتنا» منبها أن أوروبا قادمة على «قفزة نوعية تمكنها من أن تكون وحدة سياسية و اجتماعية وألآ تقتصر على الوحدة الاقتصادية.» وهي العبارات التي كان استخدمها الرئيس الفرنسي في خطابه الشهير حول أوروبا الجديدة. لكن المناداة بتفعيل آليات التوازن المالي الأوروبي و ببعث سندات أوروبية مشتركة لا تجد أذنا صاغية اليوم من قبل دول شمال أوروبا. المجلس الأوروبي القادم سوف يتوصل – كما جرت العادة – إلى حل وسط خشية أن ينفجر الإتحاد وهو يعاني من أكبر أزمة صحية و اجتماعية و اقتصادية في تاريخه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا