الدولة الفرنسية في مقاومة «الإسلام الراديكالي»: إيمانويل ماكرون سوف يعلن عن خطة شاملة آخر شهر فيفري

قررت الحكومة الفرنسية توسيع مهام اللجنة الوزارية المشتركة للوقاية من الانحراف و الراديكالية لتشمل مقاومة «الإسلاموية» و«التقوقع الطائفي»

و«انحراف الملل الدينية». وهي اللجنة التي تحدد التوجهات الحكومية لمقاومة التطرف الديني و التي سوف تعتني بدمج المسؤولين الجهويين في الخطة الوطنية التي يجري تحضيرها قبل الإعلان عن برنامجها آخر شهر فيفري الجاري.
تزامن الإعلان عن هذه الخطوة مع انفجار قضية الشابة «ميلا» التي تنتمي إلى عائلة مسلمة و التي تهجمت بعبارات حادة على الإسلام من جراء «الاضطهاد» الذي تعاني منه جراء اختياراتها الجنسية. وتعرضت «ميلا» إلى تهجم من قبل عدة أشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي وصلت إلى التهديد بالقتل مما أجبر الحكومة على تمكينها من حراسة شخصية ونقلها إلى معهد آخر لمواصلة دراستها. و خلافا للموقف الرسمي، تدخلت وزيرة العدل نيكول بيلوبي في هذا الصدد معتبرة أن «التهجم على الدين يعتبر مسا من حرية المعتقد» مطلقة بذلك ضجة عارمة ضد تصريحاتها التي اعتبرت من قبل الإعلام و الأحزاب السياسية مسا من الحريات الشخصية و تراجعا على حق كل مواطن في انتقاد الديانات ، حق يضمنه الدستور الشيء الذي أجبر الوزيرة على التراجع عن أقوالها. مشهد يتكرّر من حين لآخر في فرنسا ليظهر تخبط المجتمع الفرنسي في قضية علاقته بالإسلام والمسلمين.

تعامل بوليسي مسبق
إلى حد الآن اتخذت السلطات الفرنسية جملة من الإجراءات البوليسية لمقاومة ظاهرة التطرف الديني. فبعد العملية الإرهابية يوم 3 أكتوبر الماضي في قلب الإدارة العامة للشرطة في باريس التي ذهب ضحيتها أربعة أعوان، أعلن وزير الداخلية عن جملة من الإجراءات لمراقبة «ظاهرة الراديكالية» في صفوف الأمنيين. وأعلنت الحكومة هذا الأسبوع عن دعم هذا التوجه و توسيعه لكل الجهات المعنية. وتم ضبط 15 «ضاحية» من جملة 13 جهة على الأراضي الفرنسية تم فيها رصد تحركات مشبوهة أو سجلت فيها عمليات «ترحيل» مجاهدين إلى سوريا والعراق للانضمام لتنظيم داعش. و تم منذ 2018 غلق 13 مسجد و 9 مراكز ثقافية إسلامية مشبوهة و 133 مركز بيع مواد كحولية على ذمة متطرفين دينيا.
وطالبت هذا الأسبوع الإدارة العامة للشرطة بباريس بفصل 3 أعوان شرطة بتهمة «الراديكالية الإسلامية» وقد قررت نزع سلاح 9 أعوان بعد هجوم 3 أكتوبر في حين سجلت وزارة الداخلية تطرف 19 عونا في صلبها. و تشير بعض التقارير النابعة من مراكز دراسات خاصة بالشرطة و أعوان الأمن أن مظاهر التطرف الديني المسجلة من قبل إدارة «شرطة الشرطة»، أي الإدارة العامة للرقابة الإدارية التابعة لوزارة الداخلية ، أنها رصدت بعض التصرفات الداعية للحذر مثل ارتداء شرطية النقاب خارج أوقات العمل أو طلب تقدمت به شرطية أخرى لتتزوج من جهادي ورد اسمه في قائمة الأشخاص الخاضعين للمراقبة. و أكدت تلك التقارير أن عشرات من الأعوان المعنيين بالتطرف ينتمون إلى أجهزة الشرطة والحرس والجيش والديوانة وحراسة السجون. وكلهم من المسلمين.

معركة قانونية
التوجه الحكومي في مقاومة التطرف الإسلامي ارتكز أساسا على تغيير القوانين. منذ 2015، تم إقرار قانون ضد الإرهاب تم تعديله في عدة مناسبات. لكن عملية أكتوبر 2019 داخل أحد معاقل الأمن والمخابرات في باريس غيرت معطيات التدخل مع الوقوف على واقع محدودية المقاومة في ظل قوانين تحمي النظام الديمقراطي و الحقوق الشخصية. و أصبح تغيير القوانين و دعم المؤسسات قانونيا لمجابهة هذه الظاهرة أحد التوجهات الأكيدة والضرورية. وفي حين تعمل الحكومة على دعم المؤسسات القائمة دخلت المعارضة السياسية والبرلمانية على الخط بتقديم بديل دستوري.

في هذا الصدد قدم فيليب با، رئيس كتلة اليمين في مجلس الشيوخ الفرنسي، مشروع قانون دستوري يشمل بندين يتعلقان الأول بتصرف الأشخاص و الثاني بالمجموعات والأحزاب. البند الأول يعتبر أنه «لا يحق لأي شخص أو مجموعة من الأشخاص الاعتماد على الأصل أو الدين للتحرر من القواعد العامة». إختيار عبارة «القواعد العامة» يهدف إلى تسجيل مبدأ دستوري يكون أعلى من القانون الضامن للحريات، ويمكن الفاعلين الميدانيين، مثل الساهرين على المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العامة والمؤسسات الاقتصادية والمنشآت الثقافية وغيرها من المؤسسات من اتخاذ إجراءات دستورية تقي المجتمع من التصرفات الراديكالية المتخذة باسم الإسلام. وقد عاينت هذه المؤسسات تصرفات «انعزالية» يطلب فيها المواطنون عدم الخضوع لقوانين اللائكية مثل فرض عزل البنين على البنات في المدارس الخاصة وفي المسابح العمومية والتعطل عن العمل في أوقات الصلاة وفرض الأكل الحلال على المطابخ العمومية في المدارس والشركات. وسجلت أحزاب المعارضة ظاهرة «اختراق» أجهزة الأمن والمؤسسات العمومية بحجة احترام «خصوصية الإسلام». وذكرت بعض الصحف اليمينية أن الإسلاميين قرروا مع تنامي ظاهرة «السترات الصفراء» التسلل في الصفوف الأمامية للنقابات وشوهد أحد النقابيين يرفض مصافحة امرأة بسبب انتمائه للدين الإسلامي.

أما البند الثاني للقانون الدستوري المقترح فيتعلق بمنع التمويل الخارجي للقائمات الانتخابية ومنع القائمات الانتخابية القائمة على الانتماء الديني أو العرقي. ويهدف هذا البند للتصدي لظاهرة تشكيل قائمات انتخابية من قبل الجالية المسلمة التي تحظى بدعم في «الضواحي» والتي أصبحت قادرة على انتخاب ممثلين لها في المجالس البلدية. وتخشى الأحزاب اليمينية من إمكانية استيلاء الإسلاميين على بلدية بحالها وفرض قوانين تتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية. التوجه الأساسي للأحزاب الجمهورية يبقى فرض علوية القانون الفرنسي الجمهوري على أي قانون سماوي في إطار فصل الدين على الدولة.

معركة ثقافية
آخر الأخبار تشير إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون سوف يدلي بمشروعه المتعلق بتنظيم «الإسلام الفرنسي» أواخر هذا الشهر. مع تعدد العمليات الإرهابية الإسلامية عبر الرئيس الفرنسي على مواقف تطورت تدريجيا إلى عداء للإسلام السياسي. في أفريل 2019 ندد ماكرون بمشروع الإسلام السياسي «الذي يريد تحقيق انقسام في الجمهورية». أما في أكتوبر 2019 فقد طالب بـ«اليقظة من الوحش الإسلامي». المشروع الرئاسي المرتقب ، حسب التسريبات الأولية، سوف يرتكز على ثلاثة محاور: الأول يعتني بمقاومة التطرف الديني والثاني يصد التقوقع الطائفي. أما الثالث فيتعلق بإعادة هيكلة التمثيلية الإسلامية عبر إعادة صياغة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وينوي ماكرون الارتكاز على مجلس جديد منفتح على المسلمين غير الإسلاميين لمقاومة الظاهرة الإسلامية.

هنا تكمن المعركة الثقافية بين اليسار و اليمين و الوسط السياسي الذين لا يتفقون على توصيف الأشياء ولا على الإجراءات الواجب اتخاذها ولا على المبادئ العامة لمقاومة الإسلام السياسي. فاليمن و اليمين المتطرف يعتبر أن «الإسلام» يتنافى مع المبادئ الديمقراطية. وهو شأن 61 % من الرأي العام في آخر إحصاء للرأي قامت به مؤسسة «إيفوب» لفائدة جريدة «لو جورنال دي ديمانش». أما اليسار فهو من مناصري التجمعات الإسلامية و في مقدمتها حركة الإخوان المسلمين لاعتبارها تضم «ضحايا» القمع في العالم العربي. الموقف الحكومي يراعي مصالح فرنسا في علاقاتها مع دول الخليج، وفي مقدمتها قطر والسعودية، وكذلك متطلبات الأمن القومي. وهو موضع حرج ربما يفضي مع الإعلان على الإستراتيجية الجديدة لإيمانويل ماكرون أواخر هذا الشهر إلى تقديم تصور شامل يخرج فرنسا من الجدل المستمر حول علاقتها بالإسلام.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا