قمة الدول المصنعة السبعة في بياريتز: إيمانويل ماكرون يحتل المشهد الإعلامي لتمرير استراتيجيته

انعقدت في مدينة بياريتز الفرنسية (24 - 26 أوت) قمة الدول المصنعة السبعة (فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا العظمى، ألمانيا، إيطاليا، كندا، اليابان)

بمشاركة الأمم المتحدة و صندوق النقد الدولي و منظمة التعاون و التنمية الأوروبية و رئاسة المجلس الأوروبي. و تم استدعاء عدد من الزعماء الأفارقة للقاء خاص من أجل تدارس الأوضاع الإنسانية في القارة. و أظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، منذ البداية، فاعلية و نشاطا في أشغال القمة أبهرت الأعلام الفرنسي الذي واكب أشغالها بطريقة غير مسبوقة.
قبل انعقاد القمة قام الرئيس ماكرون باستقبال فلاديمير بوتين – الذي لا يشارك في قمة السبعة – وبوريس جونسون ثم جواد ظريف، وزير خارجية إيران. و كانت تلك الزيارات فرصة لتمهيد النقاش غير الرسمي في القمة حول المسائل المطروحة في أزمات أوكرانيا والـ«بريكسيت» والملف النووي الإيراني. وأظهر الرئيس الفرنسي إقداما في طرحه مسألة الحرائق في غابة الأمازون البرازيلية ووجه انتقادات حادة للرئيس بولسونارو لعدم انشغاله بما سماه ماكرون «بيت الجميع». و كان من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى أزمة بين البلدين لكن سرعان ما قرر الرئيس البرازيلي التنازل وأخذ قرار تشريك القوات المسلحة في مقاومة الحرائق الهائلة. كانت هذه أول خطوة فرنسية استغلها ماكرون لتوجيه وسائل الإعلام واستغلال المشهد التلفزيوني لتغطية إدارة أشغال القمة من قبل الرئاسة الفرنسية.

الملف الإيراني في الصدارة
و كانت استراتيجية إيمانويل ماكرون تركز على تحريك السواكن في الملفات العالقة دوليا بسبب تعنت الرئيس دونالد ترامب و توحده بإدارة مسائل دولية ذات حساسية قصوى بالنسبة لباقي الدول مثل الحرب التجارية مع الصين و شبح الحرب ضد إيران و عزل روسيا عن المنتظم الدولي. من ذلك أنه نجح في كسب موافقة دونالد ترامب لاستقدام جواد ظريف من طهران، على هامش القمة، لدراسة إمكانية استئناف الحوار مع إيران. وكانت الزيارة المفاجأة التي قام بها جواد ظريف وزير خارجية إيران لبياريتز بطلب من الرئيس الفرنسي و ملاقاته وزير الخارجية جون إيف لو دريان مدة ساعتين قبل أن يلتحق بهما إيمانويل ماكرون بمعية ممثلين عن ألمانيا وبريطانيا البلدين المشاركين في الاتفاق حول الملف النووي، أهم المحطات في القمة بلا منازع والتي شدت الرأي العام العلمي و لو أن مخرجاتها لا تزال غير واضحة. والواضح، من خلال التسريبات الدبلوماسية للإعلام الفرنسي، أن الدول المشاركة أكدت على رفضها لامتلاك إيران القنبلة النووية و في نفس الوقت اندلاع حرب في منطقة الشرق الأوسط تهز ما تبقى من استقرار فيها. على هذا تحركت الدبلوماسية الفرنسية مقترحة أن تلتزم إيران باحترام اتفاق 2015 و تكف عن بث عدم الإستقرار في سوريا و لبنان واليمن و في نفس الوقت أن ترفع الولايات المتحدة جزءا من العقوبات المتعلقة ببيع البترول مدة 3 سنوات في انتظار فتح مفاوضات في شأن الصواريخ البالستية. من جهتها طالبت إيران باعتراف القوى العظمى بدورها في المنطقة باعتبارها قوة إقليمية. لذلك صرح جواد ظريف اثر مغادرته التراب الفرنسي أن « الطريق وعرة، لكن هنالك جدوى في مواصلة الحوار».

في اتجاه رجوع روسيا
واعتبر الزعماء أن رجوع روسيا للجلوس في القمة يبقى رهين التقدم في الملف الأوكراني. ووافقوا على مواصلة الحوار في «إطار مفاوضات نورمانديا» التي تجمع روسيا وأوكرانيا و فرنسا و ألمانيا. وهي خطوة أخرى تفتح الباب أمام تحسين العلاقات مع روسيا. و مهد اللقاء بين بوتين و ماكرون لفتح أفق التفاوض في شأن القضية الأوكرانية. منذ اندلاع الأزمة السورية، أصبحت روسيا فاعلا أساسيا في منطقة الشرق الأوسط بعد أن حققت تحالفات عسكرية واستخبارية مع العراق و إيران و سجلت نجاحات في سوريا بمساهمتها الفعالة في القضاء على الخطر الإرهابي و في استعادة الجيش النظامي للأراضي السورية، ثم النجاح في تحقيق صفقة بيع الصواريخ الروسية من نوع أس 400 لتركيا، أحد أعضاء الحلف الأطلسي.
البلدان الأوروبية تعتبر روسيا امتدادا للإتحاد الأوروبي و ترغب في علاقات دبلوماسية و اقتصادية طبيعية مع الجار الروسي خلافا للولايات المتحدة الأمريكية التي أجبرت الدول الغربية على فرض عقوبات على موسكو. لكن تغيير الموقف الأمريكي ليس بالهين خاصة أن دونالد ترامب لا يراعي العلاقات الدولية بقدر ما يأخذ قراراته في علاقة بالشأن الداخلي وهو في حملة انتخابية.

نحو التفاوض بين الصين والولايات المتحدة
باقي المسائل للنقاش بين الوفود المشاركة وجدت طريقها نحو تمهيد للحلول في إطار التعاون المشترك. من بين هذه المسائل العالقة الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين التي أصبحت تهدد الاستقرار الدولي. وأعرب اليابان و ألمانيا وفرنسا و بريطانيا على انشغالهم من نشوب حرب اقتصادية ، مما يؤثر سلبا على نمو البلدان المصنعة. و على هامش القمة، أعلن الرئيس الأمريكي يوم الاثنين ، آخر أيام القمة، عن دخول الولايات المتحدة قريبا في مفاوضات مع الصين معربا على تقديره للرئيس الصيني شي جين بينغ الذي اعتبره «زعيما عظيما، يفهم الرهانات القائمة».
ولئن تعتقد جل وسائل الإعلام الأوروبية أن مواقف دونالد ترامب متقلبة و تتغير حسب أهوائه و لا يمكن الأخذ بها بصورة طبيعية، فإنها أجمعت أن مشاركة ترامب في هذه القمة ، و لو أنها اقتصر على لقاءات ثنائية لدعم مواقفه، تشير إلى تغيير نوعي في الموقف الأمريكي تجاه المشاكل الدولية العالقة. و أن دخول ترامب في السباق الانتخابي على الرئاسة مجددا يخدم التوجه نحو بسط استقرار نسبي في العلاقات الدولية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية