الأمم المتحدة تدين فرنسا في موضوع تسليم الإرهابيين الفرنسيين للمحاكمة في العراق

أرسلت مؤخرا منظمة الأمم المتحدة للسلطات الفرنسية رسالة بتوقيع أنياس كللامار ، المقررة الخاصة في شؤون الإعدامات الخارجة على القانون،

أدانت فيها مشاركة فرنسا في ترحيل 7 إرهابيين فرنسيين من سوريا إلى العراق للمحاكمة علما و أن القوات الديمقراطية السورية (التحالف العربي الكردي) رحلت للمحاكمة في العراق 12 جهاديا فرنسيا. و أعطت المقررة الأممية مهلة شهرين للحكومة الفرنسية للرد على الرسالة و «رفع الالتباس حول هذه المسألة». واعتبرت أن القرار «غير قانونيا» بسبب تطبيق العراق عقوبة الإعدام و استخدامه تعذيب السجناء.

وعبرت الأمم المتحدة عن خشيتها أن « تكون أعمال فرنسية قد انتهكت حقوق الإنسان والمواثيق الدولية». واعتبرت المقررة الأممية في رسالتها أن الجهاديين قد تم ترحيلهم «بطلب من الحكومة الفرنسية أو بمشاركتها المحتملة». اتهامات تم الرد عليها بالنفي من قبل وزارة الخارجية الفرنسية.
وكانت مجموعة من 44 محاميا فرنسيا قد نشرت عريضة في شهر جوان الماضي نددت فيها بالموقف الفرنسي باعتبار أن فرنسا منعت عقوبة الإعدام قانونا منذ 9 أكتوبر 1981 و كذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وذلك يشمل كل المواطنين بما في ذلك الإرهابيين. و قالت العريضة «إن الدولة كانت على علم منذ البداية أن هنالك إمكانية ترحيل نحو العراق. و كانت الدولة تعرف كذلك أن هنالك إمكانية حكم بالإعدام ضد الجهاديين. بالإضافة لم يكن هنالك أي مانع قانوني لإرجاعهم إلى فرنسا.» وبالرغم من نفي وزارة الخارجية الفرنسية فإن الجدل لم يتوقف حول هذه المسألة.

انشغال أوروبي محتشم
وقد شغلت مسألة مصير الإرهابيين الأجانب الموقوفين في سوريا تحت حراسة القوات الديمقراطية السورية المدعومة من القوات الدولية العواصم الأوروبية بعد أن أعلن الإتحاد الأوروبي على لسان وزيرة الخارجية فيديريكا موغيريني أن «أوروبا ليس لها حل» بل أرجعت ذلك لتصرف الحكومات. ولم يتخذ الإتحاد الأوروبي أي قرار جماعي في هذا الموضوع مع العلم أن عددا من البلدان الأوروبية لها مواطنون التحقوا بتنظيم ‘’داعش’’ مثل بريطانيا وألمانيا وبلجيكا واسبانيا وعدد من البلدان الاسكندينافية.
لكن في المقابل الموقف الأوروبي غير الرسمي ساند محاكمة الجهاديين في العراق. و كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أقر إثر لقائه هذه السنة مع الرئيس العراقي برهم صالح أنه لا بد أن يخضع الإرهابيون الفرنسيون لتتبعات عدلية في العراق بالرغم من خشية الحقوقيين الفرنسيين من عدم توفير محاكمة عادلة لهم و تعريضهم لعقوبة الإعدام. وفي غياب علاقات دبلوماسية مع دمشق أو علاقات أمنية استحالت محاكمة الجهاديين على التراب السوري بما أن الأكراد السوريين ليس لهم دولة بعد.

تداعيات الموقف الرسمي الفرنسي
الموقف الرسمي الفرنسي عبر عنه الرئيس ماكرون منذ أن قرر دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من العراق في ديسمبر 2018. وقال ماكرون «فرنسا كان لها دائما نفس العقيدة التي تقضي ، في حالة الحرب، أن من تم إيقافهم في ساحة القتال – في قضية الحال من قبل القوات الديمقراطية السورية في سوريا أم من قبل السلطات العراقية – يخضعون قبل كل شيء للمحاكمة في تلك البلدان عندما نعترف بالقضاء وعندما يقومون بأعمال منافية للقانون في تلك البلدان». وذكرت وزارة الخارجية أن الموقوفين يتمتعون بالمساعدة القنصلية وأن فرنسا سوف تطلب عدم تطبيق عقوبة الإعدام في صورة حدث ذلك.

وكانت فرنسا غير متحمسة لرجوع الجهاديين الفرنسيين للتراب الوطني بحكم معارضة 70 % من الرأي العام لذلك – حسب آخر سبر للآراء– وخشية أن ينتشر الإرهابيون في سوريا ومن ثم في أوروبا بعد إطلاق سراحهم من قبل الأكراد الذين يخشون هجوما من القوات التركية والسورية عند مغادرة الجيش الأمريكي. وعبر عدد من المسؤولين الفرنسيين عن رأيهم في الموضوع موضحين الموقف الرسمي. من ذلك أن اعتبر وزير الداخلية كريستوف كستانار أن فرنسا «تعرف أين هم، ومن هم، و إن دخلوا الأراضي الفرنسية سوف يتم اعتقالهم ومحاكمتهم». وهو يعني قرابة 130 مواطنا فرنسيا من بينهم 70 راشدا من النساء والرجال وعشرات الأطفال قابعين في السجون الكردية. وينصّ القانون الفرنسي لعام 2016على تسليط عقوبة 30 سنة سجنا على الإرهابيين الذين ثبت تورطهم في عمليات إرهابية .

أرقام متضاربة
وتبقى الأرقام المتداولة حول عدد الإرهابيين متضاربة حسب الجهات الرسمية و غير الرسمية. لان تؤكد السلطات أن العدد الجملي لا يتعدى 130 جهاديا، فإن كاتب الدولة للداخلية لوران نوناز اعتبر أن «هنالك 500 طفل «تابعين لعائلات فرنسية موجودين في منطقة» العراق وسوريا. من بين هؤلاء 100 رجعوا لفرنسا. عدد آخر قضي عليهم و«200 أو 300 آخرون» لا يعرف عنهم شيء.

من ناحيتها ركزت وزيرة العدل نيكول بيلوبي على الأطفال المعنيين بالرجوع، بعد أن غيرت الحكومة في موقفها و اعتبرت أن الرجوع يتم فحصه بصورة فردية لا جماعية. وقالت «75% منهم هم أطفال لا يتجاوزون 7 سنوات». واعتبرت أنهم سوف يتم احتضانهم من قبل مصالح الشؤون الاجتماعية بعد معاينتهم من قبل قاضي الأطفال.
وتشير تقارير حقوقية أن عدد الفرنسيين في سوريا والعراق يناهز 700 شخص. من بينهم 130 موقوفين في السجون الكردية ولمن هنالك موقوفين لآخرين تابعين لفصائل أخرى ومن بينهم سجناء في سوريا والعراق. واعتبرت السلطات الفرنسية أن 1700 مواطن انتقلوا إلى المنطقة منذ اندلاع الأحداث فيها و تم القضاء على 300 منهم و أن عدد الموقوفين بسبب أعمال إرهابية من الراجعين إلى فرنسا يصل إلى 500. من ناحيته، اعتبر عبد الكريم عمر، المسؤول على العلاقات الدولية في شمال سوريا، أنّ القوات الديمقراطية السورية تدير 800 سجين أجنبي و700 امرأة و 1500 طفل في مخيمات تحت سيطرتها. ويذكر أن مخيم الهول، شمال سوريا، يحتوي على 70 ألف إسلاميا من جنسيات مختلفة من بينهم إرهابيين في حالة إيقاف.

جدل عميق في الطبقة السياسية الفرنسية
وتشعر السلطات الفرنسية بحرج عميق تجاه الوضع الحالي والاتهامات الصادرة من الأمم المتحدة ومن الطبقة السياسية الفرنسية بسب تشعب الوضع و عدم التوصل إلى حل يرضي الجميع أو أغلبية الرأي العام الرافض في غالبيته رجوع الإرهابيين. و تعددت التصريحات في هذا الموضوع منذ أشهر تراوحت بين المطالبة بعدم استقبال الإرهابيين الفرنسيين النابعة من منظمات اليمين السياسي و تصريح النائب بيار هونري دومون اليميني الذي طالب ب «تصفية» الإرهابيين على عين المكان.

وكان الرئيس السابق فرنسوا هولاند قد أكد أوامر لعمليات تصفية كبار الإرهابيين على التراب السوري من قبل قوات التحالف. أما فلورونس بارلي، وزيرة الجيوش الحالية، فقد اعترفت بتصفيات للجهاديين جارية من قبل قوات الاستخبارات الخارجية الفرنسية و القوات الفرنسية و طيران التحالف. وهي تستهدف الجهاديين غير الموقوفين في السجون الكردية.
حرج السلطات نابع من الوضع الداخلي الذي يعاني من عدد الجهاديين الموقوفين ومن الذين تم إطلاق سراحهم بعد قضاء فترة الإيقاف و من الراديكالية المسجلة في السجون وفي المطارات الفرنسية. وهي أوضاع جديدة تواجهها السلطات و لا تجدلها حلولا جذرية في إطار القوانين الديمقراطية.الانتقادات الموجهة من قبل منظمة الأمم المتحدة تواجهها انتقادات من الرأي العام الفرنسي الذي لا يفهم سكوت المنظمة على انتهاكات حقوق الإنسان من قبل جملة من الدول الأعضاء و تركيزها على البلدان الديمقراطية التي سلكت طريقا منذ عقود لتحسين أدائها تجاه احترام حقوق الإنسان. و يبقى الجدل قائما في انتظار الرد الرسمي للحكومة الفرنسية على الاتهامات الأممية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية