تريزا ماي تعلن انسحابها القريب من رئاسة الحكومة البريطانية: ضبابية حول مستقبل «البركسيت»

بعد مناورات طويلة في كواليس الحكم أعلنت الوزيرة الأولى البريطانية تريزا ماي عن قرارها التنحي عن رئاسة الحكومة في أجل قريب لم تحدده بعد.

لكن أوساطا في الحكومة أكدت أنها سوف تنسحب خلال شهر جويلية القادم لتمكين حزبها من انتخاب زعيم جديد يخلفها قبل موعد الندوة الوطنية للحزب المحددة لشهر سبتمبر 2019. ويبقى هكذا مصير «البركسيت» مجهولا لما آلت إليه الحياة السياسية البريطانية من انقسامات وغموض في المواقف وتقلبات ومناورات جعلت تريزا ماي تشبه شخصية روائية للكاتب الشهير فرانتز كافكا. لكن بالنسبة للأوروبيين، ووفقا لآخر طلب بريطاني، يبقى آخر موعد محدد لخروج بريطانيا من الإتحاد يوم 31 أكتوبر القادم.

والأسبوع المنقضي كان لتريزا ماي اجتماع مصيري مع «هيئة 1922» التي تجمع النواب المحافظين غير المشاركين في الحكومة و الذين عملوا منذ أسابيع ، خلف الستار، على إقناع تريزا ماي بالتخلي عن منصبها. إثر الاجتماع أعلنت تريزا ماي عن نيتها ترك رئاسة الحكومة بعد تقديم نص اتفاق للبركسيت للبرلمان للمرة الرابعة في الأسبوع الأول من شهر جوان. ومن المنتظر أن يرفض مجلس العموم هذا النص كما رفض النصوص الأخرى في ثلاث مناسبات لعدم اقتناع الأغلبية بالمشروع الحكومي. مباشرة بعد قرار تريزا ماي أعلن جريمي كوربن ، زعيم المعارضة العمالية، التخلي عن المفاوضات التي دخل فيها يوم 5 أفريل مع الوزيرة الأولى من أجل التوصل إلى اتفاق يضمن التصويت على مشروع طلاق جديد مع الإتحاد الأوروبي معللا موقفه بضعف الحكومة أمام نوابها وعدم قدرتها على تجسيم أي وعد أو التزام سياسي.

خلافة مفتوحة ومعقدة
إعلان تريزا ماي التنحي عن منصبها فتح باب الترشح أمام معارضيها في الحزب المحافظ و أغلبهم من معارضي البقاء في أوروبا. في مقدمة المرشحين بوريس جونسون الذي قاد حملة «البركسيت الحازم» والذي استقال من وزارة الخارجية بعد أن شارك في حكومة تريزا ماي بسبب عدم رضاه على توجه و مردود الوزيرة الأولى في المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي. بوريس جونسون يعتبر أهم منافس لتريزا ماي لكنه لا يحظى بالضرورة بأغلبية في صلب النواب المحافظين. شخصيات حزبية أخرى دخلت مشهد الخلافة مثل دومينيك راب الوزير السابق للبركسيت وجيريمي هانت وزير الخارجية وليز تروس وزيرة العدل. لكن بعض الناشطين في الحزب المحافظ يرغبون في تكليف وزير المالية فيليب هاموند بمسؤولية قيادة عملية خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي لما أظهره من حرص على وحدة صف الحزب ومن سند واضح واحترام بين النواب في مجلس العموم .

تعيين رئيس وزراء جديد عملية معقدة يحكمها القانون الأساسي للحزب. في غياب قرار بحل البرلمان والدخول في انتخابات سابقة لأوانها يتمسك الحزب المحافظ بالسلطة ويعين خليفة لتريزا ماي بعد أن ينتخب أعضاء البرلمان من المحافظين شخصيتين من قائمة المرشحين تعرض في مرحلة ثانية على أعضاء الحزب المحافظ للتصويت. عملية تأخذ بعض الوقت و لا بد أن تفضي إلى انتخاب زعيم جديد قبل موعد الندوة الوطنية السنوية للحزب في سبتمبر المقبل. لكن الانقسامات داخل البرلمان و في صفوف المنخرطين للحزب لا تشير اليوم إلى بروز شخصية واحدة «توافقية» تمكن من توحيده لخوض المرحلة الأخيرة للطلاق من أوروبا بسلام.

انقسامات وغموض في المواقف
الوضع السياسي الجديد مع تنحي تريزا ماي يدخل الحياة السياسية البريطانية في ضبابية غير معهودة خاصة أن الأحزاب والبرلمانيين منقسمون في شأن أساليب البركسيت.الأغلبية البرلمانية لا ترغب في خروج بريطانيا بدون اتفاق مع أوروبا في حين تعمل أقلية يقودها بوريس جونسون من أجل ذلك. على مستوى الأحزاب قبل الحزب العمالي الخروج من أوروبا على الإبقاء بالفضاء الجمركي الموحد الذي يضمن حلا لمشكلة أيرلندا. أما حزب المحافظين فهو يرفض في أغلبيته مبدأ البقاء في الفضاء الجمركي الأوروبي الموحد. الحل الذي تقدمت به تيريزا ماي بإرساء مرحلة انتقالية تضمن وحدة أيرلندا لم يقبله البرلمان. وأصبحت هكذا الطبقة السياسية في مأزق ليس له حل في الأفق. وزادت الضبابية إرغام بريطانيا على

المشاركة في الإنتخابات البرلمانية الأوروبي في حين ترغب في الخروج من الإتحاد.
المرحلة الجديدة التي تحددت ليوم 23 ماي وهي انتخاب نواب بريطانيا في برلمان سترازبورغ ابرزت صعودا مذهلا لليمين المتطرف الذي نجح في ارساء البركسيت. نايجل فاراج، زعيم حزب «يوكيب» السابق رجع للحلبة السياسية و كون حزبا جديدا تحت شعار «حزب البركسيت» وهو يحصد في عمليات سبر الآراء أكثر من 30 % من نوايا الأصوات مقابل أقل من 10 % لحزب المحافظين و 20 % للحزب العمالي. التشكيلة البريطانية الجديدة لطاقم النواب في البرلمان الأوروبي سوف تطغى عليها الأحزاب المتطرفة وهو ما يعمق الأزمة ويدخلها بقوة في صلب البرلمان الأوروبي الذي يتوقع دخول كتلة هامة تقدر بثلث المجلس تمثل الأحزاب الشعبوية و القومية المتطرفة الرافضة للمشروع الأوروبي برمته. ثلاث سنوات بعد توليها مقاليد السلطة، ومهما كانت نتائج التصويت الرابع على مشروع البريكست في جوان، تخرج هكذا تريزا ماي من الحياة السياسية بدون تحقيق البركسيت الذي كان أول مهمة لديها في الحكم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية