مقاربة أمنية عِوَض المعالجة السياسية للسترات الصفراء

مصطفى الطوسة
كاتب ومحلل سياسي

لمواجهة التحديات السياسية التي تطرحها حاليا ظاهرة السترات الصفراء اختار إيمانويل ماكرون ان يراهن على المقاربة الامنية لمحاولة نزع فتيل هذه الازمة وكسب عطف الفرنسيين في الوقت الذي اصبحت فيه عملية تكرار المشاهد التخريبية والعنيفة المروعة هي التي تتصدر واجهة الاحداث في فرنسا كل يوم سبت. ويعلل مقربون من ايمانويل ماكرون هذا الخيار بالتأكيد أن الحكومة قدمت اقتصاديا واجتماعيا كل التنازلات الممكنة حول المطالب التي كانت المحرك الاساسي لهذه الاحتجاجات عبر التخلي عن الضريبة البيئية ورفع المستوى الادنى للأجور.

من جهة أخرى تركز بعض الاوساط الداعمة لايمانويل ماكرون أن هذا الخيار فرض نفسه بقوة ايضا انطلاقا من التحولات التي عرفتها هذه الحركة حيث اصبحت بعض القوى المنشطة لها ترفع شعارات تغيير النظام ونسف المؤسسات وتوجيه تهديدات قتل تصفية لبعض رموز الطبقة السياسية. وجاءت احداث اقتحام مقر وزارة الناطق باسم الحكومة بنجمان كريفو ومشاهد العنف التي استهدفت قوى الامن التي أفرط بعض عناصرها في الرد عليها لتجسد هذا المنعطف الانقلابي الخطير الذي شهدته هذا الحركة الاحتجاجية المخترقة سياسيا من بعض القوى المتطرفة التي تسعى إلى استغلال الشارع لمحاولة اضعاف ايمانويل ماكرون ونزع المصداقية على ادارته.

ويبدو ان الرئيس الفرنسي عبر هذه الخيارات يراهن على حجم الهلع الذي قد ينتاب الراي العام الفرنسي بسبب خطورة الاحداث التي يعيشها كل نهاية أسبوع وهول الفاتورة الاقتصادية التي سيدفعها والتهديدات الامنية التي اصبحت هذه الحركة تنتجها لكي يسحب الفرنسيون دعمهم لهذه الحركة ويحولوها الى ظاهرة معزولة لا تتمتع بحاضنة أو بعمق اجتماعي يمنحها شرعية الاحتجاج. كما يراهن ماكرون على ان هذه القبضة الحديدية التي يقترح اللجوء إليها لمواجهة المتطرفين من السترات الصفراء قد تساهم في عملية استعادة ود الفرنسيين الذين تقول معظم استطلاعات الرأي انهم ركزوا نفورهم على شخص ماكرون بسبب أسلوبه في مخاطبتهم وخياراته الاقتصادية والاجتماعية التي اعطت الانطباع انه فضل تقديم هدايا ضريبية للطبقات الميسورة على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

الرهان على المقاربة الامنية يحمل اخطارا سياسية قد تكون لها تداعيات غير مسبوقة على ولاية ماكرون. فإذا تبين فشل هذه الإجراءات التي أعلن عنها رئيس الحكومة ادوار فليب في مواجهة العنف الذي يتخلل احتجاجات السترات الصفراء فإن ذلك قد يضع تحت مجهر مكبر حجم الفشل الذي وصلت اليه مقاربة الرئيس ماكرون لإدارة هذه الازمة وقد تساهم في توسيع الشرخ بينه وبين الفرنسيين و نزع ما تبقى له من مصداقية. وضع سياسي قاتل عشية استحقاقات انتخابية أوروبية وبلدية كان الرئيس ماكرون يعول عليها كثيرا لتعبيد الطريق لولاية ثانية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499