الحوار الوطني في فرنسا كمتنفس لأزمة السترات الصفراء

مصطفى الطوسة
كاتب سياسي مغربي
عندما اتخذ الرئيس الفرنسي ايمانول ماكرون قرار إطلاق حوار وطني شامل لمناقشة

الإشكاليات الاقتصادية و المؤسساتية التي يعاني منها المجتمع الفرنسي و التي برزت إلى الوجود بسبب احتجاجات السترات الصفراء ظهر اجماع في الاوساط السياسية الفرنسية ان الرئيس تصرف تحت ضغط الشارع وأنه أرغم على اطلاق هذه المبادرة للتنفيس عن التوتر الذي وصلت اليه العلاقات بين المحتجين و قوى الامن والتي اصبحت تنتج كل نهاية أسبوع مشاهد عنف وتخريب ونهب للممتلكات الخاصة و العامة.

مبادرة الحوار الوطني هي فكرة غير مسبوقة في تاريخ فرنسا المعاصر. والهدف منها الأساسي هو إعطاء الكلمة للمواطنين الفرنسيين للإدلاء برأيهم في عدة قضايا حيوية تهم الاقتصاد مثل العدالة الضريبية أو السياسة مثل إمكانية تنظيم استفتاءات شعبية أو تغيير ظروف المشاركة السياسية في البرلمان عبر التوجه نحو نظام موسع للتمثيلية النسبية في البرلمان الذي من المفترض ان يعكس صورة حقيقية لموازين القوى في الخريطة السياسية الفرنسية.
قوى المعارضة التي تستهدف أداء الرئيس ماكرون مستغلة ظاهرة السترات الصفراء سارعت بانتقاد هذه المبادرة معتبرة ان مصيرها الفشل وأنها مجرد حائط دخان أقامه ماكرون لحجب الأنظار عن خياراته الاقتصادية ومقاربته السياسية التي أوصلته الى باب مسدود. و مازاد هذه التحديات تعقيدا بالنسبة لماكرون عنصران أساسيان. الاول استقالة رئيسة اللجنة الوطنية

للحوار شانتال جوانو بسبب فضحية إعلامية حول أجرها الذي وصل الى خمسة عشر ألف يورو يتناقض تماما مع أجواء التقشف وغلاء المعيشة التي يواجهها المواطن الفرنسي العادي الذي تحولت حياته العادية و مشاكلها الى وقود يحرك ديناميكية السترات الصفراء و يلهب احتجاجاتها.
والعنصر الثاني الذي ألقى بظلاله على فرص نجاح هذا الحوار مصداقية التصريحات التي كانت صدرت عن بعض الشخصيات الحكومية و التي أوحت بان الرئيس ماكرون لن يغير وجهته السياسية و الاقتصادية بسبب نتائج هذا الحوار. ما أعطى الانطباع أن هذه الخطوة لا تعدو كونها فرقعة إعلامية لذر الرماد في العين تلعب دور المسكن للغضب الشعبي الذي ينتاب حاليا شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي.

يبقى ان الرئيس الفرنسي و فريقه الحزبي الجمهورية الى الامام يواجهان أخطارا قاتلة سياسيا في حال فشلت هذه المبادرة أو تحولت الى كمين يستعمل للمراوغة. فالحقبة حساسة سياسيا مع اقتراب استحقاقات انتخابية اوروبية و بلدية قد تجسد في صناديقها الغضب الشعبي من ماكرون. هذه الظرفية الخاصة تفرض على الرئيس الفرنسي ضغطا من نوع خاص قد تقضي نهائيا على أماله في الحلم بولايته ثانية و قد تفتح الطريق أمام المعارضة لبلورة بديل عن رئيس عوقب في الشارع عبر احتجاجات صاخبة و في صناديق الاقتراع عبر هزيمة محتملة. ولاية ماكرون تمر بأحرج لحظاتها وتفتح الأبواب على جميع الاحتمالات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية