باريس تحترق: إجراءات آخر الساعة لإطفاء حريق الانتفاضة الشعبية

يشهد الشارع الفرنسي ثلاثة أسابيع على التوالي من الحراك الشعبي في كل أنحاء البلاد تحت راية «السترات الصفراء»

التي تجمع الغاضبين و المحتجين من مختلف الفئات الشعبية و الضعيفة التي قررت، للتصدي للإجراءات التقشفية الحكومية و الزيادات في الضرائب و رسوم المحروقات، مواصلة الحراك لإرغام السلطات على التخلي عن الزيادات المبرمجة. و سرعان ما تحول الحراك الشعبي إلى شبه انتفاضة أعطت للجميع صورة حرب أهلية في المخاض. أمام أعمال التخريب و الحرق التي لحقت المنشآت العمومية و المحلات التجارية و التجهيزات البلدية السبت الماضي في باريس و في عدد من المدن الأخرى، بقيت الحكومة متمسكة بتوجهاتها دون التخلي على أي إجراء ندد به المتظاهرون. لكن حجم الأزمة التي نقلتها وسائل الإعلام مباشرة على شاشات العالم أربكت السلطات الفرنسية و جعلتها تتخلى عن تصلبها و تدخل في حوار مع الأحزاب السياسية و النقابات و ممثلي «السترات الصفراء» من أجل الخروج من الأزمة التي لم تشهد البلاد مثيلتها منذ انتفاضة ماي 1968.

إعلان رئاسة الوزراء أمس «تعليق» الزيادات و الدخول في مشاورات واسعة مع الأحزاب و النقابات و ممثلي «السترات الصفراء» و مع النواب في البرلمان و مجلس الشيوخ لم يثن فئات أخرى من الالتحاق بحركة الاحتجاج. في نفس الوقت الذي تحاول فيه الحكومة إيجاد مخرج للأزمة العميقة التي تتخبط فيها البلاد دخلت مجموعة من المعاهد (180) في حالة تعطيل الدروس مع مظاهرات التلاميذ في الشوارع. و أعلنت نقابة المزارعين التحاقها بالحراك و كذلك بعض الكليات في الجامعة التي علقت الدروس و دخلت في جلسات عامة لتقرير مصير الحراك الطلابي. هل هي بداية الثورة في فرنسا بعد أن اندلع الحراك في أكثر من 2000 نقطة ترابية و في مقاطعات ما وراء البحار؟ هذا ما تخشاه جهات عديدة في صلب الدولة وهي تحاول جاهدة الضغط على الحكومة و الرئيس ماكرون حتى يخرج من صمته ويطفئ الحريق قبل فوات الأوان.

حصيلة دمار ثقيلة
شهدت العاصمة باريس أكبر «انتفاضة» في تاريخها المعاصر بعد أن «احتل» شوارعها 5000 متظاهر جاؤوا من جل أنحاء البلاد للتعبير عن غضبهم من تمسك الحكومة بموقفها و عدم الإستجابة لطلباتهم. المظاهرات و عمليات التخريب التي قامت بها عصابات من «المخربين» المحترفين و التابعين لتشكيلات سياسية يمينية و يسارية متطرفة خلفت حصيلة ثقيلة: حرق 100 سيارة و إضرام النار في 100 موقع في الشوارع و تهشيم 146 واجهة للمحلات التجارية و نهب 11 منها. و قامت الشرطة، حسب الإعلان الرسمي، بإطلاق 10 آلاف قنبلة مسيلة للدموع من أجل تفريق المتظاهرين. و قامت بإيقاف 412 متظاهر في باريس (682 في كامل التراب الفرنسي)، و تمت إحالتهم على العدالة التي شرعت يوم الاثنين في محاكمات استعجاليه. و خلفت الصدامات مع الشرطة قتيلين و263 جريحا من بينهم 81 في صفوف قوات الأمن . و سجلت نقابات الشرطة منذ بداية الحراك 500 جريح في صفوف رجال الأمن والمطافئ.

وقام المتظاهرون، في خطوة غير مسبوقة، باحتلال قوس النصر في باريس و تدنيسه و نهب متحفه وتهشيم صنم الحرية داخله. وهو عمل لم تقم به القوات النازية عند احتلالها باريس خلال الحرب العالمية الثانية. و نددت كل القوى و التشكيلات السياسية و الأهلية بعملية تدنيس رمز الوطن الذي يشهد كل سنة الاحتفال باليوم الوطني في 14 جويلية و بنهاية الحرب العالمية يوم 11 نوفمبر حيث يتم إحياء ذكرى الجندي المجهول اعتبارا لتضحيات الجنود الفرنسيين في مختلف الحروب دفاعا عن الوطن. و كانت مشاهد الصراع مع الشرطة تظهر غضبا تحول إلى كراهية ونزعة للقتال غير معهودة في الشارع الفرنسي.

«تعليق الزيادات» لإطفاء الحريق
تنصب جهود السلطات الفرنسية على اتخاذ إجراءات فورية للخروج من الأزمة. أولها يتعلق بالجانب الأمني و بتغيير أسلوب التعامل مع المتظاهرين. و قد عبرت نقابات الأمن بمختلف أصنافها على عدم قدرتهم على مواصلة نفس النهج المتبع منذ أكثر من ثلاثة أسابيع والذي يرمي إلى حماية المتظاهرين و عدم مهاجمتهم لمنعهم من التكسير و ذلك خشية وقوع ضحايا في صلبهم. و طالبت النقابات بتمكينهم من «الدفاع عن النفس» و مهاجمة المخربين قصد منعهم من التكسير و إيقافهم. و ذلك يتطلب إعادة النظر في الأساليب و الوسائل و عدد القوات المجندة لحماية الأشخاص والممتلكات.

الإجراء الثاني سياسي و تمثل في إعلان رئاسة الحكومة اتخاذ «إجراءات تهدئة» منها «تعليق» الزيادات، بما في ذلك الزيادات المبرمجة في جانفي 2019 وذلك لمدة ستة أشهر و الدخول في مشاورات بدأت يوم الاثنين مع الأحزاب السياسية و النقابات وممثلي «السترات الصفراء» إن أمكن. و قررت الحكومة تنظيم دورتين للحوار مع نواب الشعب في البرلمان يوم الأربعاء و في مجلس الشيوخ يوم الخميس. لكن مطالب الأحزاب التي تحولت إلى قصر ماتينيون للقاء الوزير الأول إدوار فيليب – و الذي يلعب أوراقه الأخيرة في منصبه – متفرقة و لا تهدف في الأساس إلى الخروج من الأزمة بل إلى الإطاحة بالحكومة. فالمطالبة ب «استقالة ماكرون» من قبل أحد زعماء حزب فرنسا الأبية و دعمه للحراك و مطالبة مارين لوبان بحل البرلمان و نداء زعيم الجمهوريين لوران فوكيي لتنظيم استفتاء، كلها مطالب سياسية تهدف إلى الإطاحة بنظام ماكرون و كأن هذه التنظيمات لم تتقبل هزيمتها في انتخابات عام 2017. يبقى أن جل المحللين لا يعتقدون أن الإجراءات المعلن عنها قد توقف الحراك الشعبي بسبب تفاقم الغضب و تحوله إلى رغبة عميقة في التغيير.

هل هي نهاية الأنموذج الفرنسي؟
الأزمة الحالية في فرنسا تأتي بعد أزمات متعددة اندلعت منذ تسعينيات القرن الماضي من جراء التشبث بمنوال اقتصادي ليبرالي يندرج في نظام العولمة الذي تبناه الإتحاد الأوروبي و عمل على تطبيقه بحزم في كل البلدان الأعضاء. و حرصت فرنسا على التمسك بما يعتبر «الأنموذج الفرنسي» الذي يرمي إلى حماية المواطنين في ميادين التعليم و الصحة و الحيطة الاجتماعية بالرغم من كلفته الباهظة الممولة أساسا عبر نظام الضرائب. مع برمجة سياسة التحول الإيكولوجي اختارت الحكومة ، في نفس الوقت، خفض الضرائب على الأغنياء ورفع رسوم المحروقات والضرائب على ضعاف الحال. وهو ما ولد الشعور بغياب العدالة الاجتماعية وبتحول الرئيس ماكرون إلى «رئيس الأغنياء» في حين أنه وعد الفرنسيين خلال حملته الانتخابية وبتغيير الوضع وتحسين القدرة الشرائية للفرنسيين. هذا الشعور تزامن مع عدم قدرة العائلات الضعيفة على مجابهة غلاء المعيشة.

التمسك بالمنوال الاقتصادي الليبرالي الذي لا يفرض ضرائب على الشركات الكبرى و على الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات لا يعطي الدولة سيولة مالية تمكنها من مواجهة كلفة الأنموذج الفرنسي. وعانت مختلف الحكومات في السابق من هذا الوضع و جابهت أزمات حادة بدأت في ضواحي المدن عام 2005 حين اضطرت الحكومة لإطفاء حريق الضواحي لإعلان حالة الطوارئ لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية. و كانت الضواحي قد أسست تقليدا غريبا يتمثل في حرق مئات السيارات في الشوارع احتفالا بقدوم السنة الجديدة دون أن تتخذ السلطات أي إجراء لمنع ذلك. أما حالة العنف الحالية فقد ظهرت أعراضها في السنوات السابقة في عهدي نيكولا ساركزوي و فرنسوا هولاند خلال المظاهرات النقابية التي كانت تنتهي جلها بحالة من الفوضى شارك فيها «المخربون» بتهشيم التجهيزات البلدية في الشوارع. و لا بد أن تنكب السلطات و أجهزة الدولة على إيجاد حل جذري إذا ما تواصل التمسك بالأنموذج الفرنسي.

أزمة سياسية حادة
الأزمة الحالية هي نتاج لتراكم أزمات مختلفة منها الشرخ الواضح بين العاصمة و المدن الكبرى من جهة و باقي المناطق من حيث تعميم التجهيزات و قرب مؤسسات الدولة من المواطنين في حين شهدت جل المدن و القرى غلق المدارس والمستشفيات و أجهزة الدولة إلى حد أن أصبح الخبراء يتحدثون على «تصحر مؤسساتي» خارج المدن. من ناحية أخرى تبرز الأزمة الحالية عمق الهوة بين الطبقات الغنية والطبقات الشعبية التي لم تعد قادرة على العيش الكريم. و ما عمق الوضع هو دخول البلاد في أزمة سياسية حادة مع انفجار الأحزاب التقليدية و صعود «حركة إلى الأمام» التي تدعم الرئيس ماكرون و عدم قدرة النقابات على صد التوجه الليبرالي الحكومي و فشلها في مناسبتين منذ بداية عهد ماكرون في فرض مطالبها في شأن تنقيح مجلة الشغل و خاصة في ملف شركة السكك الحديدية بالرغم من إضراب دام ثلاثة أشهر بدون جدوى. وهو ما خلف الشعور بأن المؤسسات أصبحت غير قادرة على تلبية رغبات الشعب و ما بقي إلا نخراط الفئات الشعبية في النضال المباشر ضد النظام الحاكم لتلبية تلك المطالب. وهو وضع يهدد النظام الديمقراطي و يفتح الباب أمام صعود الحركات الشعبوية كما حدث في عدد من البلدان الأوروبية.

اليوم تعالت الأصوات في المظاهرات مطالبة بـ«استقالة ماكرون» في محاولة لتشخيص الأزمة و التركيز على شخص رئيس الدولة الذي يعتبره الرأي العام «رئيس الأغنياء» لأنه لا يخدم مصالح الفئات الشعبية. و يلاحظ بعض الخبراء أن السياسة الحكومية الإصلاحية تبقى غير مفهومة من قبل الجماهير و أن «تعالي» الرئيس والشعور بنظرته الدونية للفئات الشعبية لا تخدم التهدئة التي ترغب فيها السلطة التنفيذية لمواصلة الإصلاحات الأساسية المبرمجة. من جهة أخرى أصبح واضحا أن أحزاب المعارضة، و خاصة حزب فرنسا الأبية اليساري و حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف يعملون على استغلال الوضع أمام حكومة مكبلة من أجل تشكيل بديل سياسي لحكم ماكرون في المواعيد الانتخابية القادمة و التي يمكن أن تفرز أغلبية من نوع جديد تتمحور حول شخصيات لم تشارك في الحكم إلى حد الآن نابعة من التنظيمين السياسيين و من حراك «السترات الصفراء» و المجتمع المدني. على العموم، حدة الأزمة الحالية سوف يكون لها مضاعفات في المستقبل على المشهد السياسي الفرنسي لما لها من تأثير على العقليات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499