ملامح الإدارة الأمريكية الجديدة: نحو التناصف بين توجّهات ترامب و ثوابت الكونغرس

مباشرة بعد الإعلان عن النتائج النهائية، ولقاء دونالد ترامب بالرئيس أوباما، انطلقت الإجتماعات و المشاورات لتعويض الإدارة الأمريكية الحالية. وكانت أنظار العالم متجهة نحو واشنطن للوقوف على التوجهات الجديدة للسياسات الأمريكية من خلال التعيينات الأولى. و كان من البديهي

أن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، التي لم تساند كل توجهات ترامب في حملته، سوف تفرض أجندتها السياسية مع الحفاظ على مساحة نفوذ للرئيس الجديد. فكان تعيين رئيس الحزب الجمهوري راينس بريبوس في منصب الكاتب العام للبيت الأبيض و الإديولوجي المتطرف ستيفن بانون بالتوازي في منصب المستشار الإستراتيجي ، عنوانا لتقاسم السلطة في أعلى هرم الإدارة، ثم في مختلف مفاصلها.

أول الخطوات كانت بتكوين فريق انتقالي يدير تعيين أفراد مكتب الرئيس في البيت الأبيض والوزراء والمديرين العامين للوكالات الفدرالية ثم، في مرحلة ثانية باقي المسؤولين في الإدارة. أسندت هذه المسؤولية الى نائب الرئيس المنتخب مايك بانس الذي له دراية واسعة بمختلف مفاصل النفوذ في المؤسسة بواشنطن و يشاركه في هذه المهمة والي نيو جيرزي كريس كريستي وثلاثة أبناء للرئيس ترامب و المرشح السابق للرئاسة بان كارسون ورئيس كتلة الجمهوريين السابق في الكونغرس نيوت غينغريتش و رودي جيولياني العمدة السابق لنيو يورك والسيناتور جاف ساشيونس. و هم جميعهم يمثلون الأطراف المتنازعة على السلطة الجديدة من عائلة ترامب و أنصار الحزب الجمهوري و أتباع المؤسسة المالية و سياسيو «التي بارتي».

في الجملة سوف يتم تعيين أربعة آلاف مسؤول في مختلف المناصب الإدارية و السياسية لتعويض الإدارة الجديدة.عملية صعبة و معقدة تتداخل فيها الأبعاد الإستراتيجية والسياسية و تخضع للحوار و النقاش والمساومة و الضغوطات. لذلك سوف تستغرق هذه المرحلة وقتا طويلا تنتهي مع دخول دونالد ترامب البيت الأبيض يوم 20 جانفي القادم.

الحرب على الإسلام الراديكالي
أهم التعيينات التي تم الإعلان عنها تتعلق بالأمن العام و المخابرات. الجنرال المتقاعد مايك فلين، وهو من الديمقراطيين، عين كمستشار للأمن القومي. وهو معروف بمناهضته الشرسة للحركات الإسلامية والتكفيرية. و قد تم عزله من قبل الرئيس باراك أوباما عام 2014 على خلفية خلاف حاد في شأن مناصرة الحركات الإسلامية في سوريا من قبل الإدارة الأمريكية. وبعد معارضته لتلك السياسة تم عزله وإحالته للتقاعد.

المنصب الثاني المهم يتعلق بإدارة الوكالة الأمريكية للمخابرات سي أي آي التي تولى قيادتها مايك بومبيو. وهو عضو في لجنة المخابرات التابعة للكونغرس و عضوفي لجنة التحقيق التي حققت في مقتل السفير الأمريكي و الدبلوماسيين الثلاثة في بنغازي. وعرف إثر ذلك بمواقفه المتشددة ضد الإسلاميين. وهو ما يبشر بسياسات تقلب موازين القوى في المنطقة العربية. الحقيبة الثالثة الأساسية في صنع استراتيجية ضد الإسلام الراديكالي تتعلق بوزارة العدل. و قد عين ترامب فيها السيناتور جاف ساشيون المعروف بمواقفة الحادة ضد المهاجرين والمسلمين. وقد تم رفضه من قبل لمنصب قاض في المحكمة العليا بسبب شبهات حامت حول مساندته للحركات العنصرية الأمريكية مثل منظمة كلو كلوكس كلان.

حضور متميز لوول ستريت
الملف الثاني المهم بالنسبة للرئيس الأمريكي الجديد يتعلق بالمالية و الإقتصاد. فعين على رأس الخزينة ستيف منوشين الذي قضى سنين عديدة في بنك غولدمان ساكس. وهو من أقرب أنصار ترامب الذي عينه في فريق المرحلة الإنتقالية و من الوجوه المعروفة في وول ستريت.

و من الأسماء التي تم تسريبها من قبل هذا الفريق و التي يمكن أن تتولى حقيبة التجارة رجل الأعمال لاو أيزنبارغ الذي أسس بنكا للإستثمار و شركات مالية مسجلة في وول ستريت. وهو من الأشخاص الذين لهم دراية بأروقة الساحة المالية الأولى في العالم. وسوف يكون لمنوشين و أيزنبارت دور هام في صناعة و تنفيذ الإصلاحات المالية والإقتصادية المتعلقة بإعادة النظر في النظام الليبرالي المتوحش وتنظيم التبادل التجاري على أسس دعم المصالح الأمريكية أولا.

مسائل الشأن الداخلي
المشاورات و المفاوضات مع الحزب الجمهوري لا تزال جارية في شأن الحقائب المتبقية في الصحة والتعليم و البيئة والإقتصاد و غيرها من الوزارات ذات الإهتمام بالشأن الداخلي. ولن تتسرب إلى حد الآن أي معلومات حول الأشخاص الذين يمكن أن يتقلدوا مهام هذه الوزارات. لكن الأكيد هو أن يحصل الإختيار بعد التوصل إلى التوازنات بين الأطراف النافذة في عملية التعيين و على رأسها البيت الأبيض والكونغرس.

أما في الشأن الداخلي فأهم ملف يرجع الى وزارة الداخلية. مع إعلان نيوت غيغريشت عدم رغبته في تقلد منصب وزاري في إدارة ترامب، يفتح الباب عريضا أمام عمدة نيويورك السابق رودولف جيولياني. و إن لم يتقرر بعد التعيين على رأس هذه الوزارة إلى حد كتابة هذه الأسطر فإن التكهنات تؤكد تقدم ترشيح المساند الأول لدونالد ترامب في حملته الإنتخابية خاصة وأن جيولياني كان رمزا لإعادة الحياة لنيو يورك بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. و كأن الحكومة الحالية في طور التأسيس سوف تكون الرد الحقيقي على تلك الهجمات بعد فشل الجمهوريين في استئصال المد الإسلامي الجهادي في الخارج بالرغم – أو بسبب – الحرب ضد أفغانستان ثم اجتياح العراق من قبل إدارة جورج بوش الإبن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا