من أفقر الدول إلى أقوى عشرين اقتصادا في العالم: «المعجزة الكورية» هل يتم استنساخها في العالـم العربي؟

• نهضة حضارية وانسانية وثورة تكنولوجية
في عام 1953 انتهت الحرب بين الكوريتين ومن ابرز نتائجها ..اقتصاد منهك وشعب فقير مع آلاف الضحايا والقتلى جراء الحرب الاهلية .. فكانت كوريا الجنوبية من افقر الدول في العالم وهذا ما جعلها بحاجة الى الدعم الخارجي لتأمين ابسط الامور الحياتية لمواطنيها .

وقد زاد من صعوبة الوضع افتقار البلد الى الموارد الطبيعية بعكس جارتها الشمالية .. وفي مدة زمنية محدودة أصبح اقتصادها واحدا من اقوى عشرين اقتصادا في العالم...

حققت سيول ارقاما مذهلة في النمو والتطور وباتت شركاتها مثل «سامسونغ» و«هيونداي» وغيرها تنافس اهم الشركات العالمية في التصنيع ولها حضور عالمي في الاقتصاد التقني ، حيث شهدت نهضة كبيرة في صناعة الالكترونيات والاتصالات والسيارات وبناء السفن والصلب ...هذا التطور الاقتصادي انعكس على حياة الافراد حيث تنخفض نسب الجريمة مع مناخ آمن مناسب للاستثمار والتصنيع والابتكار ..

لقد استثمرت سيول في التعليم واليوم هناك 219 جامعة تتنافس في تقديم افضل المستويات العلمية وآخر الابتكارات في مختلف المجالات..وبالتزامن مع قوتها الاقتصادية المؤثرة تلعب سيول ايضا ادوارا مختلفة في حفظ السلام مع قوات الامم المتحدة في عديد المناطق الساخنة في العالم..وبالرغم من كل هذا التطور الحضاري والعلمي الا ان هناك احساسا لدى الكوريين بعدم الاكتفاء وبانهم لم يصلوا بعد الى ما يطمحون اليه من رقي حضاري وعلمي..

سيول هي مدينة عصرية ..تعيش ماضيها بكل تقاليده وحضارته .. ومتشبعة بهذه الفلسفة والثقافة حيث يتباهى الكوريون بحضارتهم التي تعود الى اكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ..ويتجلى ذلك في تعاملهم اليومي اذ ان هناك لغة واحدة للتواصل مع الآخرين هي السلام والاحترام بعيدا عن المشاكل والأمراض النفسية..بالنظر الى ان هذا الشعب متصالح مع نفسه وهويته يعيش الحداثة والتطور بأبهى تجلياتها ومظاهرها بروح «المحارب الشجاع» الذي يخوض معركة البقاء بحسب مفاهيم «التكواندو» القتالية ..فنهل الكوريون من هذه الرياضات الروحية ما يؤهلهم للدفاع عن وجودهم وفرض انفسهم كإحدى اكثر الدول تطورا في العالم ...

الكوريون اليوم يصنعون التاريخ لكن على طريقتهم السلمية ..فقد استثمروا تطورهم في كل ما يخدم الانسان ..وتقوم مجمل ابداعاتهم واختراعاتهم -في كل المجالات الصناعية والالكترونية وغيرها على مبدإ واحد- هو خدمة الانسان ورفاهيته وراحته بأقل قدر ممكن من ايذاء الطبيعة وانطلاقا من ثقافة « الاقتصاد الاخضر».ولا عجب ان تضم سيول اكبر مركز للصناعات التي تعتمد على ما يسمى بالقوى الخضراء ..حيث يقدم «المعرض العالمي للطاقة» the World energy Congress أحدث التكنولوجيات غير الملوثة للمناخ وفي مختلف المجالات المتعلقة بالاتصال والادوات المنزلية والتي تعتمد على الطاقة البديلة اي الشمس والهواء وغيرها...

ولعل ما يعكر صفو هذه النهضة العلمية والغنى الاقتصادي هو الجارة الشمالية مع زعميها كيم جونغ اون الذي يتباهى بتقديم آخر الابتكارات في مجال الاسلحة النووية التي تدمر الانسان والحضارة ..وهذا يحيلنا الى ما يحدث في العالم العربي خلال الخمس سنوات الماضية ..حيث ان عديد الدول في هذه المنطقة خرجت من دائرة ما يسمى بالدول النامية لا لتتبوأ المراكز العليا في الاقتصاد والتصنيع والتنمية بل لتصبح من اكثر الدول غير الآمنة مع حجم هائل من الدمار يفوق القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما الذرية في سوريا وحدها وجيل كامل من السوريين والعراقيين واليمنين دون تعليم ..ففي العراق وسوريا وغيرها ..يظهر «العنف الطائفي والصراع الديني السياسي» بأوضح تجلياته ..وفي الوقت الذي يسعى فيه الكوريون الجنوبيون لإثبات الذات والإقدام على التنافس الصناعي التكنولوجي وفي كل ما يتعلق بالقطاع الخدماتي ..... باتت المنطقة ساحة للصراع اللا نهائي بين الولايات المتحدة وروسيا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا