بين امرأتين حديديتين، «تيريزا ماي» و«نيكولا ستورجن»: شبح انقسام بريطانيا العظمى

أعلنت رئيسة الحكومة الاسكتلندية نيكولا ستورجن، يوم الخميس 13 أكتوبر في افتتاح مؤتمر الحزب القومي الأسكتلندي، نيتها تقديم مشروع استفتاء جديد حول استقلال بلادها وذلك ردا على خطاب الوزيرة الأولى البريطانية تيريزا ماي حول مخطط المفاوضات للخروج من الإتحاد الأوروبي.

وكانت تيريزا ماي، التي تنتمي الى يمين حزب المحافظين والتي خلفت دافيد كامرون اثر استقالته، قد أعلنت عن نيتها خوض «مفاوضات حادة» مع أوروبا وعدم تشريك القوميات المكونة للمملكة المتحدة في المفاوضات وهي اسكتلندا وبلاد الغال وأيرلندا الشمالية.
في خطابها أمام مؤتمر الحزب القومي الاسكتلندي، قالت نيكولا ستورجن «سوف يكون لاسكتلندا إمكانية أن تقول كلمتها من جديد في مسألة الاستقلال قبل أن تخرج المملكة المتحدة من الإتحاد الأوروبي، إذا كان ذلك ضروريا للمحافظة على مصالحنا». وذكرت للمؤتمرين أن الناخبين في اسكتلندا صوتوا بنسبة 62 % للبقاء في الإتحاد الأوروبي. لكنهم لا يمثلون سوى 8 % من مجموع البريطانيين. وأضافت أن «لندن ليس لها الحق أن تخرج اسكتلندا من الإتحاد رغم إرادتها».

واعتبرت أن معادلة البقاء في بريطانيا العظمى تغيرت بالنسبة للاسكتلنديين. عام 2014 قرروا البقاء بنسبة 55 % في المملكة المتحدة عندما كانت عضوا في الإتحاد. وقالت الوزيرة الأولى الاسكتلندية ردا على خطاب تيريزا ماي «اسكتلندا لم تختر أن تجد نفسها في هذا الوضع. إن حزبكم (حزب المحافظين) هو الذي رمانا في هذا الوضع». و أضافت: «أنا لا أعتقد أن الناس صوتوا لهذا. لم يصوتوا للتخلص من العقلانية الاقتصادية مع ماء الغسيل. لم يصوتوا لفرض ضرائب جمركية على مؤسساتنا الاقتصادية أو أن تفرض على سائحينا تأشيرات سفر». هذا ما يبرر، بالنسبة لها، تنظيم استفتاء جديد لاستقلال اسكتلندا التي تخضع لعرش أنقلترا منذ ثلاثة قرون».

صراع النجوم
تيريزا ماي ونيكولا ستورجن، نجمتان في الحياة السياسية البريطانية تخوضان «معركة» سياسية في مواقع غير متكافئة. قبل أن تتولى رئاسة الحكومة أظهرت تيريزا ماي في موقع وزيرة للداخلية مواقف يمينية واضحة و متشددة ضد الإرهابيين و قررت نزع الجنسية البريطانية عنهم. و اكتسبت لقب «المرأة الحديدية الجديدة» مقارنة بصورة مارغريت ثاتشر الوزيرة البريطانية السابقة. لكن لم تحض بالانتخاب الشعبي المباشر بل صعدت الى رئاسة الحكومة باختيار حزبها اثر تخلي دافيد كامرون وهو الجانب الضعيف في مسيرتها.
في المقابل، «الوزيرة الأولى» الاسكتلندية نيكولا ستورجن، 46 عاما، خاضت انتخابات 2015 التشريعية بنجاح تاريخي ضد المحافظين و العماليين وحصلت على 56 مقعدا من جملة 59 في مجلس العموم. حزبها متراص الصفوف و منظم خلافا لحالة الإنقسام التي

عليها الحزب المحافظ و الحزب العمالي مما جعلها تتصدر مركز زعيمة المعارضة على المستوى الوطني. وهي لا تقل كريزما عن تيريزا ماي. بل انتقدت بشدة تصريحاتها «العنصرية» الأخيرة ضد المهاجرين. وأخذت موقفا معارضا واضحا رافضة أن يستخدم الأوروبيون المقيمون في بريطانيا كـ«عملة مقايضة» حسب عبارتها و منددة بـ«الخطاب المسموم حول الهجرة» الذي اعتمدته تيريزا ماي. وهي بالمناسبة تقدم اسكتلندا كبلد متفتح على الآخر وتقدمي، يريد البقاء في الإتحاد الأوروبي. وكانت واضحة في خطابها تجاه رئيسة الحكومة البريطانية: «قيل لنا عند تنظيم الإستفتاء «إن اسكتلندا شريك يحضى بنفس حقوق الشركاء الآخرين في المملكة المتحدة. حان الوقت أن تقيموا الدليل على ذلك».

هل الطلاق ممكن؟
عند توليها السلطة حرصت تيريزا ماي عل زيارة اسكتلندا في اليوم الموالي لتأكيد وحدة المملكة. و كان أول لقاء لها مع نيكولا ستورجن مؤشرا على الخلافات القائمة بين لندن و أدنبره. إذ أكدت الوزيرة الأولى الاسكتلندية على حرصها ضمان مصالح بلادها في عملية «البريكسيت» التي صوت ضدها الاسكتلنديون. و رفضت أن تتكبل اسكتلندا خسارة 80 ألف موطن شغل جراء ذلك. و طالبت بالمشاركة الفعالة في المفاوضات مع الإتحاد الأوروبي في شأن قضايا الزراعة و الصيد البحري التي تمولهما أوروبا. و عبرت تيريزا ماي بالمناسبة عن رغبتها تشريك كل الأطراف في النقاشات حول عملية المفاوضات مع الإتحاد.

لكن تغيير موقف رئيسة الوزراء البريطانية في اختيارها «مفاوضات حادة» مع أوروبا و استعمال قضية الهجرة الأوروبية كسلاح جعل الموقف الاسكتلندي يتغير و يتحول إلى تنظيم استفتاء ثان حول الإستقلال. لكن ذلك لن يحصل بدون موافقة لندن حسب العرف السياسي البريطاني. سلاح تمتلكه تيريزا ماي وحدها. و لو قامت اسكتلندا بالاستفتاء دون موافقة الحكومة البريطانية فسوف يكون ذلك اجراء شكليا لا قيمة له قانونيا و لا مفعول له على أرض الواقع.

من الواضح أن موقف نيكولا ستورجن يهدف إلى الضغط على لندن للحصول على صلاحيات جديدة في إطار اللامركزية التي تنظم العلاقات في بريطانيا. لذلك كالبت في صلاحيات ارساء سياسة خاصة بالهجرة و التمتع بـ «سن علاقات دولية» . وهو المخرج، في حالة قبول لندن بذلك، الذي يسمح ببقاء اسكتلندا في المملكة المتحدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا