المؤسسات العمومية بين تعهدات الحكومة وخيارات الرئيس: ...ويستمر الغموض حول مصيرها

 استعان رئيس الجمهورية قيس سعيد في لقاءاته الأخيرة مع كل من رئيسة الحكومة نجلاء بودن يوم 9 نوفمبر الجاري ومع وزير الشؤون الاجتماعية

مالك الزاهي أول أمس بكلمة «التفريط» عوضا عن «التفويت» ليصوغ خطابا موجها للتونسيين لطمأنتهم بأن الدولة لن تفرط في حقها ولا في دورها الاجتماعي، دون أن يقول الحقيقة كاملة بخصوص ما ستفعله الدولة بالمؤسسات العمومية، مما يفتح المجال لعدة تأويلات حول المغزى من استعمال كلمة «عدم التفريط»، فاثناء لقائه مع بودن أكد أن الحل الناجع يجب أن ينطلق من إرادة الشعب، ولن يكون هناك تفريط، كما يدعي البعض، في المؤسسات والمنشآت العمومية. 

نفس العبارة تقريبا أكدها في لقائه أول أمس مع وزير الشؤون الاجتماعية، حيث أشار بخصوص المنشآت والمؤسسات العمومية إلى أن الحلّ ليس في التفريط فيها، بل في إصلاحها ومحاسبة كل من يعمل على تفليسها بغرض التفويت فيها. وشدد على أنه لا مجال للتخلي عن الدور الاجتماعي للدولة لأن الحق في الحياة الكريمة وفي التعليم وفي الصحة وغيرها من الحقوق لا يخضع لمعايير الربح والخسارة ولا يمكن أن توضع في بورصة القيم المنقولة لتتقاذفها مقاييس العرض والطلب.
احتدام الجدل حول خوصصتها
تمثل العديد من المنشات والمؤسسات العمومية عبئا على الدولة، حيث ارتفعت مديونتها وفق إحصائيات وزارة المالية، إلى 6.5 مليار دينار سنة 2020 أي بزيادة بـ8.2 بالمائة مقارنة بسنة 2019، وباتت بالضرورة التعجيل في عملية الإصلاح والإنقاذ لتحسين مردوديتها، ويتطلب تحسين المردودية تدخلا على مستوى رأس المال بالنسبة للعديد منها وهو ما يمثل تحديا للحكومة في الوقت الراهن لاسيما في مسألة إيجاد مصدر لتمويل إعادة الهيكلة والإصلاح، فالوضعية المالية للمؤسسات العمومية تزداد تعقيد يوما بعد آخر أمام احتدام الجدل حول خوصصتها وتضارب التصريحات، فاتحاد الشغل الذي رفع سبعين ألف خط أحمر أمام التفويت أكد على استعداده التامّ لحوار تشاركي يقضي بإصلاح عادل ومنصف ويحقّق الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المرجوّة ويدفع إلى إنقاذ المؤسّسات العمومية واستعادة دورها الريادي كرافعة اقتصادية خاصة في غياب الاستثمار الخاص الداخلي والخارجي، تحدث عن توجه الحكومة للشروع في التفويت في 3 مؤسسات عمومية وهي، وكالة التبغ والوقيد وبنك الإسكان وأجزاء من ميناء رادس.
القلق من التفويت في الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد
وقد أعربت النقابة الأساسية للتبغ والوقيد عن قلقها من التفويت في الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، مؤكدة استعدادها للدفاع عن الوكالة وغيرها من المؤسسات العمومية ضد التفويت. وبرّرت النقابة خوفها من هذا التوجه بناء على تصريحات إعلامية أوردتها المديرة صندوق النقد الدولي بأن الدولة تسعى إلى خوصصة بعض المؤسسات العمومية. وشددت النقابة في بيان لها سابق على الدور الهام الذي تضطلع به الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد في المساهمة في موارد ميزانية الدولة، مشيرة إلى أن المنتوج المحلي للسجائر ساهم سنتي 2020 و2021 بنحو 2.78 مليار دينار رغم المصاعب التي اعترضت الوكالة بسبب غياب الصيانة وعدم توفير قطاع الغيار والمواد الأولية. ووفق تصريحات إعلامية للكاتب العام للنقابة حسن الطرهوني فإن التفويت يُحاك في الظلام وهو خطر داهم يتعلق بعديد المؤسسات العمومية، سواء كانت رابحة أو خاسرة، وشدد على أن التوجه نحو التفويت في المؤسسات العمومية ولا سيما الوكالة الوطنية للتبغ والوقيد، يندرج في إطار الحلول الترقيعية.
نقاشات متقدمة
ملف المؤسسات العمومية يعد من الملفات الشائكة والمعقدة جدا والمثيرة للجدل طيلة الحكومات المتعاقبة أمام رغبة هذه الحكومات في التفويت في المؤسسات الإستراتيجية على غرار شركة الفولاذ ووكالة التبغ والوقيد وبعض الأسهم من شركة الخطوط التونسية وكذلك بعض البنوك العمومية، لكنها وجدت رفضا شديدا من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل الذي رفع خطوطه الحمراء للتفويت فيها ودها إلى ضرورة إصلاحها والنظر فيها حالة بحالة، ووفق ما أكدته بعض المصادر فإن مخطط التفويت في بعض المؤسسات مازال موجودا وهناك نقاشات متقدمة جدا للتفويت في إحدى المؤسسات العمومية، ولكن بعد تصريحات رئيس الجمهورية بعدم التفريط في المؤسسات العمومية فإن حكومة نجلاء بودن ستعيد خلط أوراقها والبحث عن مخارج جديدة لإنقاذ المؤسسات العمومية والمحافظة على ديمومتها، ليبقى مصير المؤسسات العمومية والتي تعاني من صعوبات مالية كبيرة غامضا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا