10 محطات في الذكرى العاشرة للثورة التونسية: - X- مستقبل الديمقراطية في تونس

عندما نتحدث عن مستقبل الديمقراطية في تونس قد يتبادر إلى الذهن أن المقصود هو تواصل المسار الديمقراطي من عدمه أي إمكانية الانتكاسة

من جديد نحو الاستبداد أو إلى الفوضى أو إلى كليهما وفق إمكانيتي التعاقب الزمني .

في الحقيقة ودون إنكار وجاهة هذه المخاوف حول كينونة الانتقال الديمقراطي إلا أن الأساسي في إشكاليتنا لا يتعلق أساسا بهذا بل بطبيعة البناء الديمقراطي وبممكناته وبمدى استيعابه لمختلف أوجه الحياة العامة والخاصة وتجاوزه للمربع الضيق المتعلق بآليات الحكم ومؤسساته والتداول السلمي على السلطة.
السؤال لا يكمن إذن في مستقبل الديمقراطية كآلية اشتغال (انتخابات وتعددية ومؤسسات وحرية الإعلام والتعبير ) بل في الديمقراطية كفلسفة (مسألة القيم ) والديمقراطية كتحول اجتماعي (المساواة والعدالة ) والديمقراطية طرق مستجدة للتعبير عن الإرادة العامة .

في تونس –كما في غيرها من بلدان العالم– عادة ما يتم الخلط بين المبادئ والأسس التي يقوم عليها الانتقال الديمقراطي والسياسة اليومية كما يمارسها أهم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على حد سواء .. وعادة ما تكون المواقف من المؤسسات التي يناط بعهدتها حكم البلاد مرتبطة بطبيعة الأحزاب والائتلافات المنتصرة ..
أما مستقبل الديمقراطية الذي نتحدث عنه فهو لا يعتني كثيرا بالديمقراطية كممارسات يومية ولا حتى -أيضا - بالمؤسسات التي تمثلها اليوم وبالقوانين التي تحدد حوكمتها ، بل بالديمقراطية كخيار مجتمعي للتصرف في التناقضات وكشرط إمكان للتعبير عن الإرادة الجماعية في تنوعها وكميثاق اجتماعي يحكم قواعد عيشنا المشترك .

في تونس ودون كبير تفكير اخترنا مباشرة بعد الثورة شكل الديمقراطية التمثيلية الليبرالية القريبة من النظام البرلماني وأضفنا إليها بعض المؤسسات والهياكل الناجمة في دول عدة مما يمكن أن نسميه بالارتياب الديمقراطي في الديمقراطية أي السعي المبالغ فيه أحيانا لكسر كل إمكانية لتجميع السلط في يد واحدة ، بل حتى في هيئة واحدة ، وكان هاجس الجميع آنذاك منع أي عودة ممكنة لمنظومة الاستبداد فركزنا على الفصل بين السلط الثلاث، بل وأحدثنا في كل سلطة نوعا من الثنائية : رأسان في السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) وطريقتان للتشريع (البرلمان والاستفتاء حتى وإن لم نعمد بعد إلى هذه الطريقة الثانية ) وسلطتان في القضاء (المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية التي لم يفك بعد أسرها ) ثم أضفنا إلى هذه السلط الثلاث سلطة رابعة، السلطة المحلية وهي بدورها بمستويات ثلاثة: البلدية والجهة والإقليم ،وكذلك ما يشبه السلطة الخامسة : الهيئات الدستورية.
النقد الأساسي لهندسة السلطة هذه هو غياب الفاعلية فيها خاصة وأننا اخترنا نظام اقتراع يكاد يمنع ظهور أغلبية منسجمة قادرة على الحكم ..

في هذا النقد هنالك الكثير من الوجاهة ولكنه يتغافل عن مسالة رئيسية وهي الارتياب في الهياكل الناجمة خاصة عن الانتخابات (مجلس النواب في الوضعية التونسية وكذلك رئيس الجمهورية وإن كان بدرجة اقل بكثير حسب المعطيات الحينية الآن ) وأن هذا «التفتيت» للسلطة وللدور الهام للهياكل الرقابية إنما ينبع في العالم بأسره من الارتياب في الديمقراطية التمثيلية وفي الرفض المتزايد لتفويض الأمر كله للمنتَخبين ممثلي الشعب ، إذ لم يعد بالإمكان اليوم القبول في الديمقراطية المعيشة الواقعية أن لا يحاسب المنتَخب إلا يعد نهاية عهدته الانتخابية .

ولكن عندما نتحدث عن الهياكل الرقابية المعبرة عن هذا الارتياب ينبغي أيضا إقحام هياكل عدة لا يتحدث عنها الدستور وهي النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني وكذلك أشكال الانتظام الجديدة في ما يسمّى بالحركات الاجتماعية (التنسيقيات نموذجا) فكل هذه الهياكل تقوم بدور السلب على حدّ تعبيرة الفيلسوف الألماني هيغل ..
لعل أحد أهم مظاهر أزمة الانتقال الديمقراطي في بلادنا هو حصر الديمقراطية بصفة كبيرة في فضاء الحكم وتوزيعه وتقنيات حلّ النزاعات داخله، ولم نلتفت أو نكاد إلى إدماج جلّ فئات المجتمع في العملية الديمقراطية بمستوياتها الأربعة: التحاور وإبداء الرأي واخذ القرار والمحاسبة.

فبدا وكأن العملية الديمقراطية لا تهم إلا الأحزاب أو القائمات المستقلة أو الشخصيات التي تترشح للانتخابات وان دور المواطن / الناخب يكاد ينحصر في ذهابه إلى صندوق الاقتراع فقط لا غير .. وان تصويته – في نهاية الأمر – لا يزن كثيرا مادامت المطابخ السياسية (أي القيادات الحزبية) قادرة على التصرف فيه وفق رغباتها ومصادرها وتحالفاتها الانتهازية.

ولعل هذا ما يفسر تراجع عدد المصوتين في الانتخابات المجلسية العامة : 4.308.828 في انتخابات التأسيسي في 2011 و3.579.257 في تشريعية 2014 و2.946.628 في تشريعية 2019، أي أننا خسرنا أكثر من مليون وثلاثمائة وخمسين الف صوت في ظرف ثماني سنوات فقط ..

وعلى عكس ما قد يعتقده البعض فهذا لا يعني عزوفا عن السياسة بل عزوفا عن العرض السياسي المقدم والدليل على ذلك أن أسبوعا واحدا بعد الانتخابات التشريعية الماضية توجه حوالي أربعة ملايين ناخب (3.892.085) للتصويت في الدور الثاني للرئاسية أي أن هنالك حوالي مليون ناخب أغرتهم المنافسة بين قيس سعيد ونبيل القروي ولم يهتموا مطلقا بذلك الكم الهائل من القائمات الحزبية والمستقلة المتنافسة يوم 6 أكتوبر 2019..

فالناخب يعزف عن الصندوق عندما لا يوفر له هذا الأخير فرصة جديدة للاختيار بين مشاريع واضحة ومختلفة وهذا يعني أن طريقة اشتغال ديمقراطيتنا التمثلية كعرض سياسي وآلية اختيار لا مستقبل لها ..
نقول ونكرر في تونس أننا نجحنا إلى حدّ بعيد في الانتقال السياسي ولكننا فشلنا فشلا ذريعا في الانتقال الاقتصادي والاجتماعي.. ولم ننتبه إلى أن الفصل بين هذين المسارين هو جوهر المشكلة ولب الاخفاق العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي على حد سواء ..

الديمقراطية تقوم على سلطة الشعب المتكون من مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات. فالديمقراطية هي النقيض الفلسفي والسياسي لنظام الامتيازات ولكن الممارسة التاريخية للديمقراطية التمثلية عوضت الامتيازات القديمة القائمة على الفوارق «الطبيعية» بين البشر إلى امتيازات فعلية تحتكر فيها نخب معينة الحكم (الطبقة السياسة هنا) والمال والجاه والنفوذ، امتيازات تفرغ فكرة المواطنة القائمة على المساواة من كل مضمون فعلي ..

فالانتقال الديمقراطي لا يعني أن البلاد أصبحت تسجل نسب نمو مرتفعة ، ولكن يعني أن مراكز النفوذ المالي والتفوق المهني لم تعد ممنوعة بجدران سميكة على عموم المواطنين وذلك لان الديمقراطية تعني كذلك كسر نظم الاحتكار ومنظومة الاقتصاد الريعي الذي يحسم مستقبل المنافسة قبل حصولها أصلا،وهذا لا يستوجب الدخول في مغامرة تحطيم النظام الليبرالي ، بل يكفي فقط أن نرجعه إلى أصوله الأولى : الحرية والمساواة بتحقيق تساوي الفرص الفعلي لا الوهمي ..

والديمقراطية أيضا فلسفة تقوم على فرادة الفرد وعلويته المطلقة في سلم القيم وانه هو أصلها ومنبتها ، لا بمعنى الفرادنية الذرائعية ولكن بمعنى أن الحريات والحقوق تتأسس كلها على الحقوق الطبيعية للفرد بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه وعرقه ..
الديمقراطية تقوم ولاشك على التضامن بين الأفراد ولكنها لا تقوم على أولوية الجماعة وما تمثله من عادات وتقاليد وقيم على حساب الحقوق الطبيعية للأفراد ..

أن مقابلة الحقوق الاجتماعية (لا الجماعية ) للحقوق الفردية هي ضرب للاثنين معا ونسف للقاعدة الفلسفية للديمقراطية ، ويكفي أن نرى طريقة اشتغال بعض الحركات الاحتجاجية الاجتماعية لندرك أن الاحتجاج على الظلم لا يبشر دوما بفضاء أرحب للحرية والمساواة.. ففي بعض هذه الحركات لا تكاد توجد النساء إلا كما نراه في بعض القائمات الحزبية أحيانا أي وجودا للضرورة لا وجودا ضروريا وكأن النضال من أجل شغل كريم متناقض مع النضال من اجل المساواة بين الجنسين أو مع حرية الضمير والمعتقد لكل فرد أو الحق في حياة خاصة وفق قناعة واختيارات الفرد الراشد الحرّ..

أزمة الديمقراطية في بلادنا هي عزوف قوى عديدة تدعي الديمقراطية عن الدفاع عن الحقوق والحريات الفردية باعتبارها غير ملائمة اليوم لخوض المعارك الانتخابية فستخسر هذه القوى الانتخابات والمبادئ معا .

معارك الديمقراطية شتى ومتنوعة ولكنها متضامنة كلها لأن توسيع مجالات المشاركة الشعبية وضمان الحقوق الاجتماعية واحترام الحقوق والحريات الفردية وبناء الجسم الجماعي وفق عقلانية علمية.. كل هذا يسهم في بناء الديمقراطية وتوطيدها لا على مستوى الدولة ومنظومة الحكم فقط بل كذلك في كل أبعاد المجتمع الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وأيضا لا ديمقراطية مكتملة دون أفراد أحرار ومتساوين ..

بهذا المفهوم مازالت بلادنا بعيدة عن هذه الديمقراطية المكتملة، ولكن ما حصل خلال هذه العشرية بحلوه ومره يبين ، رغم كل شيء ، قوة جاذبية الفكرة الديمقراطية رغم الهيمنة الظرفية للنزعات التسلطية والاسلاموية والشعبوية المحافظة.
اليوم في تونس لا تحمي الدولة الأفكار الديمقراطية ولا ترعى بصفة إرادوية قيم الحداثة والتقدم ، وهذا يعني مدى فاعلية الفكرة الديمقراطية وقوة الحرية على الازدهار حتى في المناخات المعادية لها جزئيا أو كليا..

تونس لم تنه بعد المرحلة الأولى من الانتقال الديمقراطي وهي تعطي الانطباع بأنها تتخبط كما تتخبط نخبة سياسية تفقد مكونات عدة فيها الرؤية والشجاعة ، ولكن رغم ضغط الآني والانتكاسات التي قد حصلت خلال هذه العشرية والتي ستحل بعدها ، فمجال ووهج الديمقراطية في توسع مستمر ..
(انتهى)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا