تمويل الميزانية والوضع الصحي والحوار الوطني والتحوير الوزاري : مــــأزق رئيس الحكومة

لا يحتاج الأمر إلى مقدمة للقول بان رئيس الحكومة هشام المشيشي في مآزق. فالرجل امام ملفات ثقيلة مترابطة بعضها ببعض إذا ظن انه حقق تقدما في حل أحدها

وجد انه لم يغادر نقطة البداية ، لعل ابرز مثال على ذلك توفير موارد مالية لتمويل الميزانية وهذا يقوده الى صندوق النقد الدولي الذي ينظر اليه بريبة في ظل الوضع السياسي للبلاد .

مساء الجمعة الفارط وفي خضم تتالي الاحداث السياسية والتطورات في المشهد عقد رئيس الحكومة هشام المشيشي محادثة باستخدام تقنيات التواصل عن بعد مع بعثة خبراء صندوق النقد الدولي، بحضور وزير الاقتصاد والمالية ودعم الاستثمار علي الكعلي والمستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة عبد السلام العباسي، وفق نص بلاغ نشرته رئاسة الحكومة.
بلاغ حمل مؤشرات هامة، منها التقليدي والبديهي المتمثل في وصف المشيشي للعلاقة بين تونس وحكومتها مع الصندوق النقد الدولي بـ»الاستراتيجية» فالرجل لم يعلن عن امر غير معلوم، فتونس وفي ظل ازمتها المالية الراهنة وحجم العجز في ميزانية 2021 المقدر باكثر من 18 مليار دينار، تحتاج الى دعم الصندوق من اجل الخروج الى السوق المالية الدولية لتعبئة 12.7 مليار دينار تونسي ودون ذلك ستجد صعوبات جمة في تعبئة موارد مالية وهذا ما جعل المشيشي يعرب لا فقط عن حاجة تونس وأهمية العلاقة مع الصندوق بل عن ما يراه أساسيا لضمان الدعم وهو أن الحكومة « تستعد فعليا للانطلاق في مسار الإصلاحات الهيكلية» التي يفسرها لاحقا بالاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
تلميح من الحكومة للصندوق بانها وتحت شعار «ما ينتظره التونسي بعد 10 سنوات من الثورة» ستمضي في الاصلاحات الهيكلية بتعهد من رئيس الحكومة بالمضي في اصلاحات كان قد سبق وتم الاتفاق عليها في 2016 مع حكومة الحبيب الصيد ولكنها لم تتحقق مما دفع بالصندوق لإلغاء الاتفاق ووقف صرف الاقساط.

تعهد جديد بالإصلاحات من قبل الحكومة وفق بلاغها الذي حمل اقرارا صريحا بانه «تم الاتفاق خلال هذا الاجتماع على وضع برنامج إصلاحات اقتصادي مضبوط يتماشي مع رؤية الحكومة وأولوياتها ويتناسب مع قدراتها المالية الحالية». هو حجر الاساس بالنسبة لرئيس الحكومة لضمان دعم الصندوق وإمضاء اتفاق معه يسمح بالخروج الى السوق الدولية والتوجه للمؤسسات بهدف تعبئة موارد مالية بما يمكنه من سد العجز وضمان قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية.

بحث عن توفير الموارد للحلول دون تعذر او تعثر ايفاء بالالتزامات المالية وما قد ينجم عن ذلك من تبعات مالية وسياسية تجر البلاد لمربع مخيف، هو ما ينظر اليه المشيشي على انه أولوية ومن اجل ذلك فهو يتحرك لضمان دعم الصندوق عبر «التعهد» بالاصلاح الذي يراه كافيا لإقناع الصندوق.
لكن ما قد يفسد حسابات المشيشي واطمئنانه إلى أن الامور تحت السيطرة وان المشاورات مع الصندوق في طريق مفتوح هو قدرة حكومته على التأثير في المشهد السياسي وضمان الدعم لها فصندوق النقد الدولي وان لم يصدر عنه موقف رسمي يفيد بتخوفه وعدم وضوح الرؤية في البلاد، الا انه يدرك الوضع العام في البلاد.

وضع عام يعج بالأزمات، ازمة سياسية فرضت طرح مبادرة للحوار الوطني من قبل الاتحاد وبإشراف الرئاسة، وهو حوار وان لم يجعل مستقبل الحكومة مصيرها في بنوده الا ان مخرجاته مهما كانت ستكون ذات تاثير وانعكاس على الحكومة التي لا يعلم هل ستكون جالسة على طاولة الحوار كشريك ام انها ستوضع على الطاولة للتفاوض بشأنها خاصة بعد تأزم العلاقة بين راسي السلطة التنفيذية.

علاقة قد تجعل من قدرة رئيس الحكومة على الايفاء بتعهده للصندوق والقيام بالإصلاحات مستحيل اذ سيجد عقبات شتى اكثر مما وجدته الحكومات السابقة ، كما انه قد يعجل بانفراط عقد حزامه البرلماني الداعم له الذي يضم قلب تونس وائتلاف الكرامة والنهضة، ثلاثي يتحرك كل طرف منه وفق اولياته الداخلية التي جعلتها تطرح ملف التحوير الوزاري وتدفع باتجاهه قبل ان يعدّل موقف بعضها .

اي ان المشيشي الذي تعهد بتنفيذ الاصلاحات وذهب اشواطا ابعد بوضع برنامج مضبوط بالاجال مع الصندوق تعهد بما قد لا يستطيع تحقيقه، فهو يتعهد ضمنيا بإصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها ويتعهد بالضغط على كتلة الاجور وبعشرات الاصلاحات الاخرى الموجعة.

اصلاحات جبهة معارضيها تمتاز بثقل لا يترك للمشيشي خيار مواجهتها او تجاهل تأثيرها، وهذه الجبهة تضم اطرافا في صراع مفتوح اليوم مع الرجل الذي سيكون امام مهمة صعبة جدا تتمثل في قدرته على ادارة ملفات ثقيلة اولها الوضع الصحي بالبلاد الذي بلغ مرحلة حرجة تليها الازمة السياسية وتعدد الجبهات المفتوحة حوار وطني وضغط من احزاب داعمة له لتحقيق بعض المطالب ومنها وضع حد لتأثير رئاسة الجمهورية في الحكومة عبر تحوير وزاري لا قدرة له على الذهاب فيه دون المغامرة بتوتير العلاقة اكثر مع رئاسة الجمهورية التي بدورها تستعد لحوار وطني ينتهى برسم سياسيات تقدم للحكومة لتلتزم بها وهو ما قد يجعلها تتجه الى خيارات سياسية تتناقض مع تعهداتها للصندوق.
مأزق وجد فيه المشيشي نفسه غير قادر على مغادرة «نقطة الصفر» فهو وكلما ظن انه حقق تقدما وباتت له القدرة على ادارة الامور وجد ان قدميه غرقتا اكثر في وحل الرمل المتحرك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا