هل تغلغلت المافيا الإيطالية في تونس؟ رسكلة النفايات، الشجرة التي تخفي الغابة

بعد اندلاع «قنبلة النفايات الإيطالية» التي ضلعت فيها شركة سوريبلاست التونسية وتداعياتها القضائية والسياسية المتمثلة في عزل وإيقاف وزير في الحكومة الحالية وعدد من كبار المسؤولين

في مؤسسات الدولة للتحقيق معهم، يبدو أن السلطات التونسية والرأي العام سلطا عنايتهما على الفاعلين التونسيين في الفضيحة دون الاعتناء بهوية ودور الشركة الإيطالية «س.ر.أ. كامبانيا» في العملية.
عملية تصدير النفايات خارج الفضاء الأوروبي ليست بالجديدة. فقد أشارت الوكالة الأوروبية للبيئة في تقرير صدر في أكتوبر 2019 أنه «منذ بداية العام قام الإتحاد الأوروبي بتصدير 150000 طن شهريا من النفايات البلاستيكية» خارج حدود أوروبا. وذكر تقرير معهد الإحصائيات الإيطالية لعام 2020 أن إيطاليا صدرت قرابة 3،5 مليون طن عام 2018 وأن ذلك يشمل تصدير النفايات إلى ألمانيا (957 ألف طن) والنمسا (322 ألف طن) وفرنسا (267 ألف طن). وذكر نفس التقارير أن ثلث الصادرات توجه إلى البلدان الإفريقية.

دور المافيا الإيطالية في سوق النفايات
ولم تعد ظاهرة احتكار المافيا لسوق النفايات سرا لأحد في إيطاليا وفي بروكسل بل أن التقارير الرسمية تؤكد على أن تنظيم المافيا الإيطالية استحوذ منذ 1980 على هذا القطاع التي تصل مرابحه إلى 20 مليار يورو سنويا انطلاقا من الدور التي تلعبه شبكة «الكامورا» في مدينة نابولي وجهة كامبانيا الإيطالية. وأصبحت المافيا الفاعل الأساسي وشبه الوحيد في اقتصاد رسكلة النفايات في إيطاليا كما أكده تقرير وكالة الأمن الأوروبية»أوروبول» لعام 2013 الذي أشار إلى هذه «الأعمال الإجرامية» داخل وخارج الفضاء الأوروبي.

وفي تقريرها لسنة 2015، أشارت وكالة «أوروبول» إلى أنه «أصبح من السهل للمجموعات الإجرامية التسلل إلى الاقتصاد القانوني وأن الجرائم البيئية تمس من دولة القانون ومن سمعة الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه». وجاء في تقرير «الإدارة الوطنية ضد المافيا» في إيطاليا لعام 2014 أن «الفاعلين الخواص والعموميين والمؤسسات التي تشارك في العمليات المعقدة لإدارة النفايات بطرق غير قانونية تستخدم الرشوة والفساد» للوصول إلى أهدافها. ولم يتغير الوضع اليوم بل أصبح عملا «قانونيا» تقوم به شركات مسجلة تحت طائلة القانون تعمل بدون قيود.

وأوضحت تقارير من جمعية «ليغامبيانتا» الإيطالية، المختصة في حماية البيئة، أن المسؤولين الاقتصاديين والماليين تعاملوا مع المافيا للتخلص من النفايات بما في ذلك النفايات السامة. وذهب الوضع إلى تقديم شكوى ضد الدولة الإيطالية من قبل المفوضية الأوروبية عام 2007 أمام محكمة العدل الأوروبية التي أدانت إيطاليا بسبب «اخفاقها في أخذ الإجراءات اللازمة بشأن التخلص من النفايات دون الحاق ضرر بصحة المواطنين وبالبيئة». وهو ما يشبه الوضع الذي يهز -اليوم- الشارع التونسي الذي يجد نفسه، كباقي المجتمعات النامية، عرضة لتفشي النفايات القادمة من أوروبا خارج نطاق القوانين الدولية.

أرضية سانحة للفساد
هل أن تونس اليوم بعد سنوات من الثورة، في مأمن من تفشي الفساد؟ نذكر أن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد السابق الأستاذ شوقي طبيب، الذي أطاح به رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ إثر شبهات أكدتها الهيئة، صرح لجريدة «المغرب» إثر توليه مهامه أن الهيئة تلقت 12000 ملف فساد، قامت بدراسة 3000 منها وقدمت 800 ملف للقضاء وأن 90 % من الشكاوى متورطة فيها الأجهزة الرسمية للدولة. هذا ما يطرح السؤال اليوم ونحن نشهد 20 من كبار المسؤولين في الدولة أمام التحقيق.

المناخ العام يتعدى قضية النفايات ليطرح مسألة الأرضية السانحة للفساد في مجالات أوسع تتعلق بمكافحة الإجرام وبحوكمة أجهزة الدولة. فعندما يعلم المواطن أن المدير العام للديوانة تم إيقافه يوم 2 مارس 2018 بتهمة الفساد، أو أن 5 من كبار المسؤولين في البنك المركزي تم إيقافهم في فيفري من نفس السنة بتهمة «الفساد المالي وتبييض الأموال وتجاوز السلطات وإساءة إدارة الأموال العمومية» في عهد محافظ البنك الشاذلي العياري وحين تم إدراج البلاد في القائمة السوداء الأوروبية لتبييض الأموال، يتساءل إلى أين وصلت تلك القضايا. وكيف يمكن أن يفسر المواطن موقف الدولةفي مارس 2019في قضية إيقاف خبير الأمم المتحدة المنصف قرطاس، المختص في تهريب الأسلحة والذي وصل إلى تونس لتقديم تقرير أمام جامعة الدول العربية، وذلك بالرغم من حصانته الدبلوماسية وسجنه بتهمة «التجسس» قبل إطلاق سراحه تحت ضغط الدوائر الدبلوماسية والأمم المتحدة دون أن تقوم بتقديمه للعدالة؟

كل هذه العينات وغيرها من المسائل، مثل تقرير دائرة المحاسبات الأخير، الذي أظهر التجاوزات المالية واللجوء إلى تمويلات خارجية محظورة عمدت إليها الأحزاب الحاكمة في انتخابات 2019، تدل على أن المناخ العام يمكن أن يخلق حاضنة حقيقية لكل التجاوزات. هذه القضايا المفتوحة تطرح تساؤلا حول جدية الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الثورة في مقاومة الفساد إن لم نقل في فتح المجال إلى شبكات المافيا العالمية. قرار إيقاف وزير في الحكومة الحالية صحبة كبار المسؤولين في مجال البيئة يعطي الدليل بأن الفساد استشرى بصفة خطيرة في بعض مفاصل الدولة بعد أن تربعت في مجلس نواب الشعب بعض وجوهه المعروفة لدى الرأي العام ب «بارونات الفساد».

أخطبوط المافيا الإيطالية
شركة «س.ر.أ. كامبانيا» الإيطالية المتورطة في فضيحة النفايات بسوسة تندرج في فضاء شركات النفايات في جهة كامبانيا التي تسيطر عليها المافيا. وإلا نعرف إذا ما كانت عائلة بالمياري مالكة الشركة ضالعة في شبكات «الكامورا» بنابولي فإن ما ثبت من معلومات أن الشركة مرسمة في مدينة نابولي وأن رئيسها ألفونسو بالمياري سبق وأن وجد نفسه أمام القضاء جراء احراق شركته في شهر أوت الماضي لكميات كبيرة من النفايات في ضاحية المدينة بطريقة غير قانونية أدت إلى تدخل رجال المطافئ لمنع تلوث الأراضي المجاورة.

إمبراطورية «الكامورا» تشكلت في جهة نابولي لتحتل المنطقة عبر شبكة من الأعوان والوسطاء الناشطين والحراس والممولين المسؤولين المحليين وبعض رجال الأموال وشركات صغرى ومتوسطة. في ثمانينات القرن الماضي بدأت، إضافة إلى الأعمال غير القانونية الأخرى مثل المتاجرة بالمخدرات والبشروالسرقةوفرض الضرائب والقمار والعمل في مجال النفايات بطريقة غير شرعية ثم تطورت تدريجيا إلى الشروع في تكوين شركات قانونية وأخرى خفية الاسم بأموال المافيا تقوم بأعمال قانونية وتبيض الأموال عن طريق فروعها في إيطاليا وأوروباوإفريقيا. وتسعى «الكامورا» عبر هذه الشبكة إلى مشاركة فاعلين محليين في إفريقيا في رؤوس أموالهم للتخفي وراءهم وعدم الظهور في الصورة. وعرفت المافيا كيف تدخل مسلكاجديدا لفتح شركات قانونية تتمتع بحصانة من الدولة ومن الإتحاد الأوروبي ويمكنها عبرها أن تمرر سياساتها غير القانونية في مجتمعات ضعيفة ونامية.

تفشي اقتصاد المافيا
هل ستطلب الحكومة التونسية التحقيق في شأن الشركة الإيطالية؟ هل ستقوم الحكومة الإيطالية بذلك، علما و أن الشركة المدانة يدعمها كبار المسؤولين في الجهة وفي البلدية وفي البرلمان ؟ أسئلة لا تصمد أمام صمت الحكومتين التونسية والإيطالية على ذكرأي تحرك تجاه التحقيق في دور الشركة الإيطالية في الفضيحة. أسئلة أخرى تطرح على الجميع عندما نعلم أن كل التقارير الرسمية وغير الرسمية الواردة من إيطاليا تشير إلى تعدد مجالات تدخل “بزنس المافيا” في عديد البلدان والتي تتمحور حول المخدرات والمتاجرةبالبشر والتزوير وصنع الأدوية والزراعة وتوزيع النفط والبنوك وشبكات الربا وشركات الملابس والأقمشة وشركات الاتصال الرقمي. وذكرت تلك التقارير الدور الفاعل لأحد زعماء المافيا فيتو روبرتو بالاتزولو الذي كون شبكة تبييض للأموال انطلاقا من جنوب افريقيا تمتد إلى 200 مؤسسة في 40 دولة في العالم شاركت فيها مؤسسة شارترهاوس المالية بتبييض 1،5 مليار دولار في كينيا، وهي نفس الشركة التي أعلنت مؤخر عن استثمار ضخم في إحدى الشركات التونسية.

أشارت التحقيقات الأولية في تونس أن سعر الطن في صفقة النفايات حدد من قبل شركة «س.ر.أ. كامبانيا» بـ48 يورو للطن الواحد. وهو سعر متدن يفسر جاذبية تونس في مثل هذه المعاملات لأن التكلفة الحقيقية لتكرير النفايات تصل في إيطاليا إلى 290 يورو للطن الواحد في حين تتراوح التكلفة في بلدان شرق أوروبا بين 100 و150 يورو للطن. وجاء في تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2015 أن حجم معاملات المافيا في إيطاليا في مجال النفايات يصل إلى 20 مليار دولار سنويا و أنه يشمل قطاعات متعددة من المساهمين المتدخلين في رفع الفضلات المنزلية والصناعية إلى شركات النقل وفضاءات التخزين ومصانع الرسكلة ومساحات دفن النفايات، وهي مجالات تمس قطاعات واسعة من الاقتصاد في البلدان التي تستقبل مثل هذه الأعمال الإجرامية.

وكتبت جمعية «ليغأمبيانتا» في تقرير لها أن مسالك المافيا تتعدى إلى الفضاء السياسي حيث تعتمد جماعات المافيا من «الكامورا» و«ندرانغيتا» على سند إداري وسياسي محلي ووطني لتسهيل معاملاتها مستخدمة كل وسائل الرشوة والفسادو التهديد. وسجل التقرير لعام 2018 حل 16 مجلسا بلديا (مقابل 20 لعام 2017) و ان أكثر من 40 أخرى وضعت تحت وصاية الحكومة، بسبب تعاملها مع مجموعات المافيا في عمليات خارجة على القانون.

تونس ملجأ لرجال المافيا؟
وأوردت الشبكة الإفريقية للتقصي الصحفي، وهي جمعية مستقلة من الصحفيين الاستقصائيين التي قامت ببحوث معمقة في علاقة المافيا بالقارة الإفريقية، أن تونس تم اختيارها،قبل اندلاع الثورة، من قبل سالفاتوريسترانجيو،زعيم المافيا في مجموعة «ندرانغيتا»بمدينة بلاتي الإيطالية، كموقع لأعمالها وملاذ لرجال المافيا الملاحقين من قبل العدالة. وقد أرسى في تونس شركة لتوريد عربات البلدوزر والجرافات والحفارات المستعملة من إيطاليا لتسويقها وأنه ثبت للمحققين، بعد إلقاء القبض عليه، أن كل تلك المعدات مسروقة أو منتزعة بالقوة من أصحابها في إيطاليا.

وذكرت المنظمة أن زعيم «ندرانغيتا» في مدينة إربا الإيطالية باسكواليفاركا، الذي له عدة ممتلكات في تونس، قد قرر تركيز مركز لمافيا «ندرانغيتا» في تونس يشبه مركز إيرباو تمكن من الفرار واللجوء إلى تونس قبل أن تلقي عليه القبض السلطات الإيطالية. في تونس وقد باشر مهامه في جلب المعدات المستعملة من إيطاليا بالتعاون مع وسطاء محليين ونظم ترحيل رجال المافيا المطاردين منهم باولو لانتيني وأنطونيوموريلي اللذين أوقفا في طريقهما إلى تونس.

كل هذه المعطيات الصحفية، التي لا تغطي إلا الجزء القليل من تحركات رجال المافيا،تضاف إلى ملف النفايات المهربة إلى سوسة وتطرح أسئلة جديدة على المحققين في تونس. لكن شبكات المافيا الإيطالية أصبحت ذات قدرة فائقة على التخفي والإفلات من العقوبة بالرغم من الجهود الرسمية الإيطالية والأوروبية لمطاردة شبكات الفساد. وسوف تجد السلطات التونسية صعوبات جمة لملاحقة الشركة الإيطالية المرسمة قانونيا في السجل الاقتصادي الإيطالي والمدعومة جهويا ووطنيا. مما قد يفسر صمت السلطات في روما وجل وسائل الإعلام الإيطالية على فضيحة النفايات هذه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا