بعد خطاب ماكرون حول الإسلام: الإسلام الأصولي في أزمة.. وكذلك فرنسا السيد ماكرون

بقلم: مسعود الرمضاني
كلما وقعت عملية ارهابية -في العقود الاخيرة التي تصاعد فيها الارهاب والتطرف ولامس الدول الاوروبية- الا ونشهد الانقسام بين اصوات منادية بحماية القيم

الغربية في الديمقراطية والحرية ومراقبة حركات المسلمين والحزم في مواجهة مظاهر التدين... وتعالى اصوات اخرى تدعو الى حماية المسلمين واحترام حقهم في العيش بسلام والتمييز بين الاسلام والارهاب ومواجهة الاسلاموفوبيا والبحث في الاسباب الحقيقية وراء انتشار التطرف في الاحياء الاوروبية الفقيرة اين يعيش فيها شباب الهجرة من الجيل الثاني والثالث التهميش ، والعطالة والانفصام في الهوية وتهديدات قوات الامن وملاحقاتها، ولا يملكون من بدائل الا المخدرات والعنف والتطرف ... وبالتالي يحملون المسؤولية إلى الدولة التي اهملتهم ، احيانا من منطلقات عنصرية واحيانا اخرى لأنها لا تعتبرهم من اولوياتها.

الخطاب الاخير لماكرون، الذي جاء بعد ايام قليلة من طعن شخصين بسلاح ابيض امام المقر القديم لمجلة شارلي ابدو ، و الذي تحدث فيه عن ازمة الاسلام العالمية وعن مشروع قانون لمكافحة الانفصالية في فرنسا اثار الجدل من جديد ، فمن وجهة نظر الرئيس الفرنسي، لابد من الحفاظ على قيم الجمهورية و قيم العلمانية التي تحترم فيه التدين وتدعو مختلف المواطنين ، مهما كانت ديانتهم الى احترام القيم والمبادئ والقوانين التي تسير عليها الدولة . وهذا يعني كذلك ، أنه لا يجوز للجمعيات الدينية ان تتدخل في مؤسسات الدولة وان تتلقى معونات عامة داخلية أو خارجية الا بعد المراقبة ، كما يجب تشديد الرقابة على التمويلات الاجنبية للمساجد في فرنسا...
واضاف وزير الداخلية الفرنسي انه حتى إن لم يوجد تعارض بين ان تكون مسلما ومواطنا فرنسيا في نفس الان، فان «جماعات متطرفة» تهدد «نموذجنا في الحرية وطريقة عيشنا وتعليم اطفالنا» في اشارة الى الكتاتيب في المساجد وتعليم اللغات (ومنها اساسا العربية والتركية في اماكن غير عمومية ) متهما الاسلام السياسي بانه «قاتل لقيم الجمهورية»

• أزمة الإسلام السياسي:
في كتاب «أزمة الاسلام السياسي ...الجبهة الاسلامية القومية نموذجا» يفصل الكاتب السوداني حيدر ابراهيم علي بين الظاهرة الدينية التي يمكن ان تشكل توازنا روحيا ونفسيا ووجدانيا لدى الفرد، احيانا، وبين الاسلام السياسي الذي يشوّه الدين والسياسة معا حين يعتبر رؤيته «دينا ودنيا ودولة»، وفشله يظهر خاصة حين تُختبر ايديولوجيته على ارض الواقع.
وفشل التجارب الايديولوجية عند احتكاكها بالواقع امر عادي ، اذ كثيرة هي الايديولوجيات والافكار التي فشلت عند ملامستها لتعقيدات السياسة المباشرة وتشعباتها، فالحركات الثورية التي تبنت الماركسية والقومية قد تجردت من مُثلها ومن قيمها الإنسانية مان ان مارست السلطة ، لكن الامر يعتبر ذا خطورة حين يرى الاسلاميون ان لهم مهمة مقدسة وان حكمهم هو انتصار للحق على الباطل ويخصون انفسهم لوحدهم «شبق الايمان»...
واليوم يواجه الاسلام السياسي ، الذي كان في يوم ما بديلا لدى الغرب لترويض التطرف ، تحديين ، الاول داخلي بعد تجارب صعبة مع الحكم حيث اثبت الاخوان في مصر انهم غير قادرين على اعادة التشكل واجراء مراجعات فكرية وسياسية بعد الانقلاب العسكري عليهم والقمع الذي طالهم ، وكذلك الشأن بالنسبة لحركة النهضة التي خسرت خلال تسع سنوات من الحكم ثلثي ناخبيها ، مع صراعاتها الداخلية التي بدأت تطفو على السطح وتهدد وحدتها التي بدت في يوم ما صماء ،،وتحديا خارجيا ، مع صعود اليمين المتطرف في السنوات الاخيرة الذي اتخذ من الاسلاموفوبيا ومعاداة المهاجرين وسيلة للوصول الى الحكم.

• الدراسات حول الاسلام التي
تؤرق فرنسا:
اثار تقريران صدرا في فرنسا سنتي 2018 و2019 نقاشا حادا ورعبا لدى بعض السياسيين حول كيفية التعامل مع الظاهرة الاسلامية التي ما انفكت تتمدد ، خاصة ضمن شباب الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين من منطقة المغرب الكبير.
التقرير الاول صدر سنة 2018 عن معهد مونتان Institut Montaigne ، وهو عبارة عن خلية تفكير فرنسية يديرها حكيم القروي ، القريب من ماكرون، خلُص التقرير الى ان الاسلام الفرنسي ليس فقيرا وان هناك اموالا طائلة متأتية من الحج والمنتوجات الحلال ، وان الاحياء في فرنسا هي «مصانع» للاسلاموية على طريقة الاخوان المسلمين في مصر والوهابية السعودية والاسلام السياسي التركي... ومخافة مزيد التأثير من الاطراف الخارجية في قولبة الاسلام في فرنسا ، لابد من اعادة تشكيل «اسلام فرنسي» اقل تبعية للخارج وسهل الادماج مع مبادئ العلمانية الفرنسية.
الدراسة الثانية قامت بها مؤسسة ايفوب IFOP لسبر الآراء حول تأثير التدين لدى الشباب المسلم وكانت نتائجها صادمة لدى كثير من السياسيين والنخب الفرنسية ، الدراسة قارنت بين تدين الشباب المسلم سنة 1989 واليوم بعد ثلاثين سنة (2019)ووقفت على معطيين اساسيين : تضاعف عدد الشباب المسلم الذي يؤدي صلاة الجمعة من 16 ٪ الى 38 ٪، مما يعني زيادة في نسبة الالتزام الديني و الثاني رفض العلمانية بصيغتها الفرنسية لدى العديد منهم ، حيث يعتقد 37 ٪ من الشباب المسلم ان قيم الجمهورية يجب ان تتكيّف مع مبادئ الشريعة الاسلامية وليس العكس.
ويخلص التقرير الاول الى ان الاسلاموية هي «ظاهرة معاصرة و قوية هدفها بعث مشروع شامل قوامه الدين ... مشروع تختلف قيمه عن قيم الغرب : المجموعة ضد الفرد ، المعايير الدينية ضد الحرية الفردية ، التمييز بين الرجل والمرأة ضد كل التطلّع الى المساواة بين الجنسين الخ..».

• أزمة فرنسا:
المفكر والصحفي الان غراش ، وان كان يعترف بان صورة المسلمين قد اهتزت في العالم بسبب التطرف والعمليات الارهابية، فانه يُرجع مشروع قانون ماكرون الى دقة الاوضاع الداخلية وقرب الانتخابات ، ففرنسا تعيش ازمة صحية واجتماعية بسبب جائحة كوفيد-19 ، مما جعل نسبة البطالة ترتفع وكذا بالنسبة للفقر ، حيث قفز عدد الفقراء الى 7 ملايين شخص، وكذلك الى قرب الانتخابات التي تفصلنا عنها سنة ونصف ونية ماكرون استمالة اليمين الفرنسي ، خاصة وان استطلاعات الرأي تشير الى ان رئيسة حزب الجبهة الوطنية المتطرف ، ماري لوبان ، ستكون المنافسة الاولى للرئيس الفرنسي في الانتخابات القادمة....
و هناك ايضا الصراع الفرنسي التركي ، الذي اصبح شخصيا بين اردوغان وماكرون حول مواضيع عديدة منها ملفات «الناتو» وقضية الارمن والازمة الليبية والتمدد التركي وتأثيراته المحتملة ، اضافة الى ان تقرير معهد مونتان اشار الى المدرسة الاخوانية التركية في فرنسا «كمصنّع» مهم تنتج «الاسلاموية».
لكن اضافة الى الخشية من التغوّل الاسلامي والازمة الاقتصادية والاستغلال السياسي ، هناك ازمة اجتماعية حقيقية ، حيث يجد ابناء المهاجرين من الجيل الجديد صعوبة كبيرة في التأقلم .

• فشل الادماج:
كاترين دولاكروا ،استاذة علم الاجتماع في جامعة سترزبورغ ، اهتمت بقضايا ابناء المهاجرين في الاحياء الفقيرة عبر التواصل مع عائلة مغاربية مما ساعدها في تأليف كتاب «ظلال واضواء على عائلة نور: مقاومة التهميش في مجتمع المهاجرين. « Ombres et Lumières de la famille Nour : Comment certains résistent à la précarité».
واستنتجت ان شبان هذه العائلات يحملون معهم وصما مزدوجا ، هشاشة اجتماعية بسبب الفقر والتهميش واصولا اجنبية بما تحمله من افكار مسبقة لدى المجتمع الفرنسي ، كما ترى ان جل هؤلاء الشباب لا يستطيعون استكمال دراستهم بسبب قلة ذات اليد ويأسهم امام وظائف يغلب عليها احيانا استعمال العلاقات الشخصية التي يفتقرون اليها ، لذلك يشعرون بالغبن ويلتجئون الى الاعمال العدوانية ، خاصة وانها طريقة مناسبة للفت انتباه المؤسسات الاجتماعية حتى تدمجهم في سوق الشغل من اجل احتوائهم وتأطيرهم ، لكن تبقى ثنائية الريبة والحذر ترافقهم وتمنع اندماجهم الكلي في المجتمع، مما يزيد من انطوائهم وعزلتهم.
وقد يكون الرئيس الفرنسي مصيبا في اشارته خلال خطابه ان جزءا من المسؤولية تتحمله السلطات الفرنسية التي لم تنتبه الى تحوّل هذه الاحياء الى «مجتمعات مغلقة» لكن الحلول التي قدمها تظلّ بعيدة عن امكانية احتواء انعزالها وتطرفها ، بالعكس قد يكون خطابه نبشا في عش الدبابير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا